تكوين ملكة المقاصد: دراسة نظرية لتكوين العقل المقاصدي


والدافع إلى هذه الدراسة هو الحاجة إلى انتقال العقل المقاصدي من مجرد تقرير قواعد علم المقاصد إلى مجال العناية بتطوير ملكات دارسها، التي يستطيع من خلالها تفعيل المقاصد. إذ عدم امتلاك دارس النص الشرعي لـ”ملكة المقاصد” سيفضي به إلى الظاهرية بحجة المحافظة على النصوص، أو الخروج عن إطارها بحجة تفعيلها.
ويسعى الدكتور يوسف بن عبد الله حميتو من خلال هذه الدراسة، التي جاءت في 159 صفحة، إلى محاولة تفعيل ملكة العقل المقاصدي وتطويرها، من خلال طرحها لمجموعة من الإشكالات المهمة حول توجهات العقل المقاصدي، وأولويات عمله، والمشكلات التي تعترض طريقه، والمزالق التي يمكن أن يقع فيها، والملكات التي يحتاج إلى تنميتها.
ويقرر الدكتور يوسف حميتو أن الغاية من هذا البحث ليس هو الاستقصاء والاستقراء، وإنما محاولة إثارة الانتباه إلى وجوب الضبط العلمي لهذا العقل من خلال إثارة قضايا محددة ومنتقاة نراها ذات أولوية وأهمية للطالب والباحث، تنير للمبتدي طريقه وتذكر المنتهي بما لا يستغني عن التنبه إليه.

هذا “العقل المتبصر”، بحسب الدكتور حميتو، تابع لمقتضيات النصوص الشرعية مستهد بها لا يسرح إلا بمقدار ما تسمح به؛ عقل بالغ للكمال محرَّر من أخطائه ونقائصه وجهله بالوحي، بعيد عن التسلط وتعطيل النصوص وذلك باعتباره الغريزة التي بها الإنسان يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، والضابط لما وصل إلى القلب من نور الشرع والممسك له حتى لا يتفلت، عقل له ملكات يستثمرها في التعامل مع الشرع نصوصا ومقاصد بدونها يكون عمله نوعا من العبث الذي تتنزه عنه الشريعة أولا وأفعال العقلاء ثانيا.
وتنبع إضافة العقل إلى المقاصد في مباحث هذا الكتاب من قناعة مفادها أن استنباط المقاصد وإعمالها وتنزيلها لا يتم إلا عبر ملكة عقل قادر على فهم نصوص الشريعة ورد هذا الفهم إلى الحجج، بحيث يفضي كل ذلك إلى الرسوخ والاستحكام واستجماع المآخذ والأسباب والشروط التي يكفي المجتهد الرجوع إليها للتعامل مع الأحكام وتنزيلها على الواقع.
إن الحديث عن ملكات العقل المقصدي لا يدخل ضمن الترف الفقهي، وإنما هو أمر تستلزمه ضرورة تحديد الضوابط التي ينبغي أن يقوم عليها النظر المقاصدي في سعيه إلى التحقق من تحقيق مقاصد الشريعة على واقع المكلفين أفرادا وجماعات، وإعادة تشكيل الذهن وتعميق التصور وتنمية الفكر نحو الرسالة الحضارية للإسلام بكل شمولها للمجالات العبادية والعمرانية وعمومها للزمان والمكان والأفراد.
وقد جاء هذا البحث في مدخل وخمسة فصول، تناول المدخل الإطار المفهومي للملكة والعقل والمقاصد والعقل المقاصدي، وتطرق الفصل الأول إلى التوجهات التي تتجاذب العقل المقاصدي والتي حددها في ثلاث توجهات: هي التوجه الاستسلامي والتوجه النقضي، وتوجه الرفض والممانعة.
وحدد الفصل الثاني أولويات عمل العقل المقاصدي، وتوجه الفصل الثالث إلى العناية ببعض الإشكالات النقدية التي تعترض عمل البحث المقاصدي المعاصر والتي اختار منها إشكالان: هما إشكالية ثنائية المفاهيم خاصة القطعي والظني والجزئي والكلي، وإشكالية تحقيق المناط.
وأما الفصل الرابع فحاول البحث أن يستعرض بعض مزالق العقل المقاصدي المتمثلة في التسهيل وتقصيد ما ليس بقصد وتقرير نسبية النصوص والمقاصد، في حين اعتنى الفصل الخامس ببيان الملكات التي ينبغي أن يستلح بها العقل المقاصدي، وقسمها البحث إلى قسمين: أولهما: ما أسماه بالملكات التنظيرية، وضمن فيها ملكة التاصيل وملكة الاستقراء وملكة التقعيد وملكة التكييف، وثانيهما: ما اسماه الملكات التنزيلية وفيها الحديث عن ملكات الموازنة والترتيب وتحقيق المناط واعتبار المآل.
{jathumbnail off}



