خُذِ الكتاب


وليسَ أيّ أخذٍ، وإنما هو الأَخْذُ بقوةٍ، وذلكَ لا يكونُ إلاّ لمن شاءَ مِنكم أن يَستَقيمَ عقلُهُ، ويتّقدَ ذِهنُهُ، ويستَدَّ رأيهُ، ليكونَ تالياً بين الناسِ: «حّيّاً» إذ الحياةُ قراءةٌ وقراءةٌ وقراءةٌ. وإنما المَيْتُ -ميّتُ الأحياءِ- هو ذلك الذي لا يَقرأ، وأشدُّ منهُ مواتَاً هو مَن قد استحَالَ: «جِيفةً» إذ باتَ يشقُّ عليه أن يرى الناسَ يقتنونَ كتباً فضلاً عن أن يشهَدهُم مُغرمينَ بالقراءة!
ومهما يكن من أمرِ هؤلاءِ وهؤلاءِ..، فلئن ابتغيتَ إلى عرشِ: «المعرفةِ» سبيلاً فكُن مِن أولئكَ الذين يُمسّكونَ بـ:«الكتاب» ويحفلونَ به حياتَهم كُلّهَا، فهم الأحياءُ ومَن سواهم أمواتٌ وإن تَرهّلت أجسادُهم بشحومٍ مِن مباهجِ الدّنيا وترجرَجَت بين الملأ وجاهاتُهم.
فيا أيَها السعوديونَ -هذه المرة- اتّبعوا خُطواتِ القراءة ولا تفرّقوا عن سبِيلهَا، وإنّ أوّلَ عتبةٍ لهذهِ الخطوات هي: «اقتناء الكتبِ» حتى وإن لَم تَكن تُقرأ -باديَ الرأيِ- ذلكَ أنَّ الكتاب للإنسانِ صديقٌ حميمٌ، وحسبكَ -بمثلِ هذه الصداقةِ- أنّها هي: الارتباط ُالحميمُ أُلفةً، كما أنّهَا هي: الصُّحبةُ التي لن تخذُلَ أهلَهَا مهما يكن مِن أَمر تقلبات الدّنيا.
وما مِن أحدٍ اتّخذَ من: «الكتابِ» عَدوّاً له إلاَّ وقد خسِرَ (ذاتَهُ) يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ ولا وجاهةٌ ولا نسبٌ إلا مَن أتى الناسَ بـ:«عقلٍ رشيدٍ» وبـ:«علمٍ» تخضعُ له رقابُ الجبابرة وتَذِل راغمةً.
ويا كُلُّكم.. فلقد كَبُرَ عليَّ إعراضكُم عن القراءةِ «الجادّةِ» بدعوى إعلامٍ جديدٍ هو في كثيرٍ منه لا يزيدكم إلا هُزالاً وخَبالاً، إذ ليسَ مِن شأنهِ أن يصنعَ قاماتٍ: «علميّة» ولا: «فكريّةٍ»، فما حسبناهُ إلا أقل متانةً من أن يكون له إسهامٌ في مثل هذه المشاريع الطويلة المدى. وسيظلُّ –هذا الإعلام الجديد- يشكو تهافُتاً لن يتمخّض عنه إلا ثقافةً متهَافتةً وبائسة، وستتقاصَرُ هِمّتُه عن أن تصنعَ جيلاً إلا بمواصفاتِ الجيل الكسيح. وبرهانُ ذلك ما ترونهُ رأي العين في دوركم ودور العلمِ لا ما تسمعونَهُ.
أمّا أنا فسأظلُّ أُكرِهُ الناسَ حتى يكونوا مَرضى باقتناءِ الكتب وقراءتِها. بل وسأدعو قبلاً بأن يجعلَ الله تعالى نصيب قرّائي من الأمراضِ مرض: (البيبليومانيا).. قولوا: آمين.
آمين.
{jathumbnail off}



