مفاتيح عبد الله العروي في قراءة المأزق الإيراني، الخارجي والداخلي

نادية عطية. باحثة مغربية
ما الذي يزعجني في إيران بالضبط؟ يجب أن نفرق بين مستويين، الخارجي والداخلي. وإيران مشروعان، مشروع واقعي قومي وآخر إيديولوجي عالمي إسلامي. ما يهمني أكثر هو الخارجي.
لنتخيل أن يكون ضمن مشروعك بند تصدير الثورة، لكن في إطار أن الشيعة هم الموكول لهم تحرير العالم. الشيعة إيديولوجيا في المشروع الاسلامي الإيراني هم مقابل البروليتاريا لدى الشيوعيين. وأتذكر كيف أن حسن نصر الله كان قد صرح إبان الحرب الأخيرة انه يريد من اللبنانيين أن يستمروا في الغناء والاحتفال. بينما الشيعة في الجنوب وحدهم من عليهم ووفق العقيدة الكربلائية التضحية. لكن هذا قد يتحول إلى إلصاق صفات جوهرانية “جينية” بالشيعة. الشيعة الرجال الأسود المقاومون الشجعان. وكأننا نسير في اتجاه عرقنة ومذهبة الثورة وهذا لا يمكن ان نشبهه باي حال من الأحوال مع فكرة البروليتاريا ويا عمال العالم اتحدوا.
الأخطر من هذا أن ما نتج عن المشروع الإيراني في الشرق الاوسط هو شبيه بغيتوهات شيعية. بحيث لا يمكن تبرئة إيران من التمزقات الطائفية في الشرق الاوسط، فالطائفية ليست مجرد امتداد لخلافات تاريخية لكن الدول والنخب السياسية والصراعات الإقليمية هي التي تؤججها، ويكفي أن تقدم إيران نفسها نظاما ثوريا بإيديولوجيا شيعية حتى يصبح اي نقيض سياسي نقيضا طائفيا ومذهبيا في الوقت نفسه، الأمر يحتاج لتحليل أكبر لكني سأقول الخلاصة التي وصلت لها. المشروع الايراني الاسلامي “العالمي” مشروع فاشل.
وحتى فيما يخص القضية الفلسطينية، تداعيات هزيمة المشروع الإسلامي عموما بدأت بخسارة غزة وباحتلال أجزاء من سوريا ولبنان. صورة سريالية أخرى في العلاقة مع العراق وسوريا حيث كانت إيران على النقيض من المشروع القومي البعثي العربي في العراق وعلى النقيض من “الثورة” الإسلامية السنية مع دعم البعث القومي في سوريا. وطبعا هنا تلك ليست جريمة إيران وحدها، لكن إيران جزء من قطع الفسيفساء الموبوء. في مقارنة بسيطة مع الثورات “الحداثية” الغربية. تلك ثورات استطاعت أن تعدي بعضها لا أن تناقض بعضها بكل بساطة وانتقلت الصراعات لساحة السياسة بدل ساحة الهويات. وكذلك الامر بالنسبة للثورات الاشتراكية.
لن اتحدث عن إيران داخليا لأن هذا لا يهمني كثيرا ومسالة نجاحها أو فشلها يهم الايرانيين وحدهم والأيام المقبلة كفيلة بإظهار النجاح أو الفشل. لكنني سأقول كلمة واحدة أن إيران لم تستطع ان تتجاوز الحداثة سياسيا ولا شكل الدولة القومية الحديثة مهما ادعت عكس ذلك وأنها تخلت وتتخلى وستتخلى عن الكثير من شعاراتها لأنها لا يمكن ان تسير عكس حركة التاريخ. لكن ما يصفه الكثيرون بالنجاح الباهر، لا أراه كذلك لأننا إن أردنا مقارنتها فيجب أن نقارنها بالصين أو روسيا وذلك بالنظر لمقوماتها وثرواتها وتاريخها وشعبها، وبالنظر أنها قامت بثورتها كذلك. ثورة لم تصل بها لمكانة الصين أو روسيا.
بالنسبة للاتفاق الأخير. أولا نكبة غزة ولبنان مستمرة فالاتفاق يتطرق فقط لوقف العمليات العسكرية وليس لانسحاب إسرائيل من لبنان. وإسرائيل لم تقبل بالانسحاب لا من غزة ولا من لبنان وحتى سوريا. وثانيا قلت مرارا أن إيران دولة قوية لكنها دولة تعيش تناقضات خطيرة وكأنها تسير على رجلين منفصلين ما بين المشروع الخارجي والداخلي. ما بين الرغبة في ولوج الاقتصاد العالمي وحيازة السلاح النووي وهذان امران متناقضان بالمناسبة. فحيازة القنبلة يعني كوريا شمالية أخرى وإيران معزولة وإيران لا تريد ذلك. فما يتضح لي من الاتفاق هو أن أكثر ما يهم إيران في هذه اللحظة هو المال. المال يا ابن عمي المال. وطبعا حتى لا تسقط إيران وصورتها فهي لا يمكن أن تتخلى عن طبيعتها الثورية وكيف قدمت نفسها للعالم. الأمر يحتاج لوقت.
لا أحد يقول لي أمريكا خسرت وإسرائيل أيضا خسرت وإيران كانت نقاوم وانتصار إيران انتصار للعالم الثالث. فهذا بعيد جدا عما اناقشه. ونداء لجماعة المنتصرين المنحازين جدا لفلسطين أن ينظروا بعيون مفتوحة للشام من فلسطين حتى لبنان وسوريا. علهم يكتشفون معالم الهزيمة.
أخيرا، ما علاقة كل هذا بعبد الله العروي. العلاقة هوانه لا يمكنك ولوج الحداثة وأنت لم تستوعب الشروط التاريخية التي انتجتها اولم تستوعب أن الحداثة ديناميكية تاريخية لا يمكن تجاوزها. الشروط التاريخية التي انتجت الحداثة المفروض انها انهت مع الكائن الديني نحو الكائن السياسي. الأمة الدينية نحو الأمة السياسية. وتوضيح بسيط. نهاية الكائن الديني أو الأمة الدينية لا تعني اختفاء الدين بل تعني فقط تغير الأساس الذي تبنى عليه الجماعة والشرعية السياسية. وما دمنا في إيران فإيران نفسها بأيديولوجيتها الدينية تعيش الازدواجية التي تحدث عنها العروي مرارا. خلال الحرب الإيرانيون لا يعرفون أنفسهم من خلال الجماعة الدينية أو الطائفة الشيعية بل يعرفون أنفسهم كمواطنين في دولة وأحيانا كقومية فرسية لها تاريخ عريق. وأما الإيديولوجيا فموجهة لشيء آخر. هنا أذكر بالإضافة للباحث الفرنسي الذي أدرجته مرارا. الأكاديمي الامريكي الايراني فالي نصر يتطرق لهذا ايضا.
سؤال يشغلني. ما الذي يحمي إيران من التحول إلى اللادولة بعد دولة الليفياتان بتعبير فالح عبد الجبار وهو يناقش حالة العراق. الأكيد هو شيء مما يؤكده فالي نصر وتيري كوفيل. ولمسته في مداخلات أحمد اسعديان ممثل إيران في قناة الجزيرة. بمعنى ما يحمي إيران حداثتها وليس خصوصيتها واصالتها




التعليقات