ملاحظات نقدية على قراءات محمد عابد الجابري للعرفان

محمد التهامي الحراق
في نقد أستاذنا الكبير محمد عابد الجابري للعقل العربي، ودراسته لتكوينه وتحليله لبنيته؛ وقع في عدد من الهنات المعرفية؛ وتعيينا في معالجته ل”العرفان”؛ منها أنه زَلَّ في تعريف العرفان ومطابقته ب”الغنوص”، فحشر أخلاطا من الأفكار والنزعات والاتجاهات في سلة واحدة سماها “عرفانا” (التصوف، الباطنية، التشيع، التنجيم، السحر، …)؛ ومنها أنه اعتبر العرفان مكونا دخيلا على الثقافة الإسلامية، ناتجا عن “التأثر”بمصادر فارسية ويونانية وهندية سابقة على الإسلام؛ ومنها اتهامه العرفان بإلغاء العقل، واعتباره مجال انتعاش اللامعقول أو العقل المستقيل…إلخ.
iهي كلها دعاوى كان من خلفياتها تأثرُ الجابري ببعض القراءات الاستشراقية للتصوف من جهة؛ وانسجانه بتصور وضعاني انغلاقي علموي للعقل لا يقيم وزنا للخيال والرمز والحدس والجماليات من جهة ثانية؛ وتأثره بالرؤية الإيديولوجية للتصوف من جهة ثالثة؛ سواء منها السلفية التقليدية التي تتهم أهل التصوف بالضلال والمروق والبدعة والإحداث في الدين، أو تلك الحداثية التقدمية التي تتهمه بالرجعية والماضوية والخرافية ومناكفة العلم والعقل؛ فيما يخلط كلا الموقفين بين الطرقية بما هي مرحلة معينة في تاريخ التصوف يكتنفها الكثير من الأخذ والرد، وبين العرفان بما هو رحيق التجارب الذوقية على مستوى النظر والمعارف والكتابة والرؤى.
لقد وجّهت الأستاذ الجابري في تعامله مع العرفان اختياراتٌ إبستمولوجية حجبت تحليله عن إدراك خصوصية التصوف والعرفان في الثقافة الإسلامية؛ ومن تلك الاختيارات تشظية العقل العربي إلى بيان وبرهان وعرفان (وهي اصطلاحات سابقة على الجابري كما صار معلوما)، دون الوقوف على ما يطبع العلاقة بين هذه المكونات من عميق التوالج ودقيق التواشج؛ ومنها الانطلاق من مفهوم ميتافيزيقي للهوية وصفائها في “أصلها”، الأمر الذي جعله أسير إميةِ الداخل والخارج دون استيعاب جدلية التركيب والتعقيد والتعدد والتثاقف…التي تطبع هوية ما؛ ومنها الانطلاق من تصور معين للنص والقراءة أفضى إلى عدم امتلاك المفاتيح الرئيسة لعلاقة العرفان، أساسا، مع النصوص الوحيانية وأدوات الاستمداد العرفاني المخصوص منها.
وهنا نسجل أننا بصدد إعداد دراسة نقدية مفصلة لمزالق الأستاذ الجابري في التعاطي من “التأويل العرفاني للقرآن الكريم”، والتي ستكشف بحول الله عن الاختلالات العميقة التي وقعت فيها القراءة الجابرية لعلاقة العرفانيين بالقرآن الكريم، وكيف كان سوء فهمه لهذه العلاقة موجِّها، ليس فقط لأحكامه على العرفان، بل ومَنَعَه في آخر حياته من الإفادة النقدية الخصيبة، معرفيا ومنهجيا، من هذه العلاقة في دراسته لفهم القرآن الكريم وتفسيره طبقا لترتيب النزول.




التعليقات