حين تتحول الرياضة إلى ساحة صراع ديني: نقد ظاهرة تديين كرة القدم

الصادق أحمد العثماني- البرازيل
تعد الرياضة من أبرز الظواهر الإنسانية المعاصرة التي استطاعت أن تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية والثقافية، وأن تخلق فضاءً مشتركاً يلتقي فيه الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم وانتماءاتهم الفكرية.
لقد نجحت كرة القدم، على وجه الخصوص، في أن تصبح لغة عالمية يفهمها الجميع، ومجالاً للتعارف والتقارب بين الشعوب، حتى باتت بعض المباريات تجمع في المدرجات والملاعب ما تعجز عن جمعه المؤتمرات السياسية واللقاءات الدبلوماسية. غير أن هذه الرسالة الإنسانية النبيلة تتعرض أحياناً للتشويه عندما تُحمَّل الرياضة ما لا تحتمل، ويُزج بها في معارك الهوية والعقيدة والصراعات الدينية التي لا علاقة لها بطبيعتها ولا بأهدافها.
ومن أبرز مظاهر هذا التشويه ما نشهده من محاولات مستمرة لربط الفرق الرياضية أو المنتخبات الوطنية بالانتماءات الدينية، بحيث يُقدَّم هذا الفريق بوصفه ممثلاً للإسلام، وذاك ممثلاً للمسيحية، وثالث ممثلاً لليهودية، وكأن نتيجة المباراة أصبحت حكماً على صحة العقائد أو تفوق الأديان، لا نتيجة جهد رياضي وتخطيط فني وإعداد بدني ونفسي.
إن هذا المنطق لا يسيء إلى الرياضة فحسب، بل يسيء كذلك إلى الدين نفسه، لأنه يحوله من رسالة أخلاقية وقيمية سامية إلى شعار يُرفع في المدرجات أو وسيلة لتبرير الانتصار والهزيمة.
فحين يرفع منتخب أو نادٍ شعاراً دينياً أو تتبنى جماهيره خطاباً دينياً متعصباً، فإن البعض يسارع إلى تفسير النتائج الرياضية بمنطق النصر الديني والهزيمة الدينية. فإذا فاز فريق يحمل رمزاً إسلامياً قيل إن الإسلام انتصر، وإذا خسر قيل إن المسلمين تعرضوا للهزيمة. وإذا فاز فريق يحمل رمزاً مسيحياً اعتبر البعض ذلك انتصاراً للمسيحية، وإذا خسر عدّوه هزيمة لها. وهذا لون من التفكير العاطفي الذي يفتقد إلى أبسط قواعد العقل والمنهج العلمي، لأن نتائج المباريات الرياضية لا تقاس بمستوى التدين ولا بصحة العقائد، وإنما تقاس بمستوى التدريب والانضباط والخطط الفنية والقدرات البدنية والمهارية للاعبين.
إن رفع شعار ديني على علم دولة أو على قميص فريق لا يمنح اللاعبين مهارات إضافية، ولا يعوض نقص الإعداد أو ضعف الأداء. كما أن وجود رمز ديني لدى الفريق المنافس لا يمنحه تفوقاً رياضياً تلقائياً.
للرياضة لها قوانينها الخاصة التي تقوم على العمل والاحتراف والتخطيط والاستثمار في المواهب والبنية التحتية. ولذلك فإن ربط النتائج الرياضية بالانتماءات الدينية لا يعدو أن يكون نوعاً من الوهم الجماعي الذي يهرب من مواجهة الأسباب الحقيقية للنجاح والفشل.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يزرع في نفوس الجماهير نزعات التعصب والكراهية بدل قيم الاحترام المتبادل والتنافس الشريف. فبدل أن يرى المشجع في الفريق المنافس شريكاً في صناعة المتعة الرياضية، يبدأ بالنظر إليه باعتباره خصماً دينياً أو ثقافياً أو حضارياً. وهنا تتحول المباراة من منافسة رياضية مؤقتة إلى معركة رمزية بين الهويات، ويصبح الفوز أو الخسارة محملاً بدلالات تتجاوز حدود الملعب. ومن ثم تنتشر خطابات الإقصاء والتحريض والسخرية من الآخر، ويضيع الهدف الحقيقي الذي وجدت الرياضة من أجله.
إن الدين في جوهره منظومة قيم وأخلاق تهدف إلى تهذيب الإنسان وإصلاح سلوكه وبناء علاقاته على أساس العدل والرحمة والتعاون. أما الرياضة فهي نشاط إنساني يهدف إلى تنمية القدرات البدنية والنفسية وتعزيز روح الفريق والتنافس الشريف. وحين يُخلط المجالان بطريقة غير واعية، يفقد كل منهما جزءاً من رسالته. فالدين يصبح رهينة لنتائج المباريات وتقلبات الأداء الرياضي، والرياضة تصبح أداة للاستقطاب الديني والثقافي.
وقد أثبتت التجارب المعاصرة أن الدول والفرق التي تحقق الإنجازات الرياضية الكبرى لا تفعل ذلك بسبب شعاراتها الدينية أو الأيديولوجية، بل بسبب استثماراتها في التعليم الرياضي والتكوين الاحترافي والبحث العلمي والإدارة الحديثة. فالنجاح الرياضي لا يعرف ديناً معيناً ولا لغة معينة ولا عرقاً معيناً، وإنما يعرف العمل الجاد والانضباط والتخطيط طويل المدى. ولهذا نرى أن المنتخبات التي تتصدر المشهد العالمي تنتمي إلى خلفيات دينية وثقافية متنوعة، لكن القاسم المشترك بينها هو الاحتراف والكفاءة وليس الشعارات.
ومن المؤسف أن بعض الجماهير وبعض صناع المحتوى الإعلامي ما زالوا يصرون على تصوير المباريات على أنها مواجهات بين الإسلام والمسيحية، أو بين الشرق والغرب، أو بين العرب والعجم، أو بين السنة والشيعة، في حين أن اللاعبين أنفسهم غالباً ما يكونون أبعد الناس عن هذه التصنيفات الضيقة داخل الملعب. فالعديد من الفرق العالمية تضم لاعبين من أديان وأعراق متعددة، يتعاونون فيما بينهم لتحقيق هدف مشترك، ويقدمون نموذجاً عملياً للتعايش الإنساني الذي يحتاجه عالمنا أكثر من أي وقت مضى.
ومن منظور حضاري، فإن الرياضة تشكل فرصة استثنائية لتعزيز الحوار بين الثقافات وبناء جسور التواصل بين الشعوب. فالمباريات الدولية والبطولات الكبرى لا تقتصر آثارها على الجانب الرياضي، بل تسهم في تنشيط السياحة والتبادل التجاري والتواصل الثقافي والتعارف الإنساني. وعندما يتم اختزال هذه الفضاءات الرحبة في صراعات دينية أو أيديولوجية ضيقة فإننا نهدر إحدى أهم الأدوات التي تمتلكها البشرية لتعزيز السلم والتفاهم المشترك.
إن احترام الدين يقتضي عدم تحويله إلى أداة للتجييش الرياضي أو وسيلة لتفسير نتائج المباريات. كما أن احترام الرياضة يقتضي تحريرها من الصراعات العقائدية التي لا تمت بصلة إلى طبيعتها وأهدافها. فالفريق الفائز لا ينتصر لأنه يمثل ديناً معيناً، وإنما لأنه كان الأفضل في أرضية الملعب. والفريق الخاسر لا ينهزم لأن عقيدته أضعف، وإنما لأنه لم يكن في مستوى المنافسة المطلوبة في تلك المباراة.
إن المجتمعات التي تريد أن تبني وعياً حضارياً متوازناً مطالبة بتربية أجيالها على الفصل بين المجال الديني والمجال الرياضي، وعلى إدراك أن الانتصار الحقيقي في الرياضة يتحقق بالعمل والتخطيط والالتزام، لا بالشعارات والانفعالات العاطفية. كما أن عليها أن تنظر إلى الرياضة بوصفها مساحة للتعارف والتعاون الإنساني، لا ميداناً لتغذية الانقسامات والصراعات.
ختاما، فإن كرة القدم ستظل مجرد لعبة جميلة تجمع الناس حول شغف مشترك، مهما حاول البعض تحميلها ما لا تحتمل من الرموز والدلالات.
أما الأديان فمكانتها أسمى وأرفع من أن تُختزل في نتيجة مباراة أو هدف يسجل في تسعين دقيقة. ولذلك فإن أعظم خدمة يمكن أن نقدمها للدين وللرياضة معاً هي أن نترك لكل منهما مجاله الطبيعي ورسـالته الخاصة، وأن نؤمن بأن التنافس الرياضي ينبغي أن يبقى جسراً للمحبة والتعارف بين الشعوب، لا سبباً جديداً للفرقة والخصام.




التعليقات