بهذا الجنون خسرت إيران كثيرا، وبهذا الجنون تربح اليوم “مؤقتا”

18 يونيو 2026

محمود هدهود. باحث مصري

النظام الإيراني نظام ثوري، هذه ليست صفة معيارية، وإنما صفة موضوعية تشرح منطق النظام وسلوكه، لا يمكن للعلوم السياسية الأمريكية (السلوكية وحتى ما بعد السلوكية) أن تفهم ذلك، لأنها مبنية على التكميم وافتراض أن الفاعل السياسي حيوان غريزي لا أكثر، ولا يمكن للخليج أن يفهم ذلك لأن الأنظمة الخليجية كأنظمة وراثية هي النقيض من منطق الثورة وشرعية الثورة. إسرائيل للمفارقة تدرك ذلك بأن إسرائيل تجربة ثورية استعمارية.

النظام الإيراني نظام يصدّق صُنّاعه أنهم ثوار (عبد الناصر كان يصدق أنه ثائر، القذافي والبشير في أعوامهم الأولى كانوا يصدقون أنفسهم أنهم ثوار)، وبالتالي يعيدون تعريف مصلحة النظام وفقا لهذا النزوع الثوري، بمعنى أن ما يسمى “المصلحة الإيرانية” ليست فقط معطى غريزيا: بقاء النظام، سلامة الأراضي الإيرانية؛ ولكن أيضا حفظ المصالح الثورية لإيران: الندية مع الولايات المتحدة، الصراع مع إسرائيل، الأممية الإسلامية/الشيعية (حولت إيران وجهة سفينة محملة بالأسلحة في البحر نحو البوسنة بمجرد اندلاع الحرب وبدون طلب مباشر من الحكومة البوسنية وفقا لشهادة وزير الخارجية البوسني حارث سيلازيتش، وأرسلت سفينة أسلحة إلى ياسر عرفات في وسط الحرب).

هذا المنزع الثوري مثالي لكن ليس بالضرورة أخلاقي، مثالي بمعنى أنه يتعالى على المصلحة الغريزية، ولكن ليس بالضرورة أخلاقي لأن المنزع الثوري نفسه يبرر أحيانا انتهاك الالتزامات الأخلاقية الآنية بافتراض أفق مثالي تاريخي لاحق هو الذي يمنح الأفعال دلالاتها الأخلاقية والتاريخية: مثلا مثلا، الإرهاب الأحمر (الإرهاب الشيوعي) ينتهك الالتزام الأخلاقي الآني لأنه يفترض أن هذا الانتهاك مبرر كحركة ضرورية على الطريق إلى الشيوعية كنهاية مثالية.

يصدق القادة الإيرانيون أنهم ثوار لأن علي لاريجاني مثلا كان يدرك أن أي مسار بديل له كأستاذ جامعي متميز كان يمكن أن يراكم له ولعائلته ثروات أكبر وحياة أكثر أمانا واستقرارا، مرة أخرى هذا لا يعني أنه ملائكي، لأن نزعة البطولة والتفرد والقيادة هي شهوات إنسانية تماما كالثروة والأمان والترف وإن كانت في مستوى أرقى على السلم البيولوجي، لكن ما يهم هنا هو أنه صادق عندما يقول أنه ثائر وملتزم.

لذلك الإيرانيون نعم يناورون بالحرب من أجل اتفاق، ولكنهم صادقون في استعدادهم لخوض الحرب حتى الاستشهاد، ومن أجل أشياء غير مفهومة بالنسبة للقاء مكي مثلا محلل الجزيرة أو عبد الخالق عبد الله أو أي محلل سياسي رصين، هم مستعدون للاستشهاد مثلا التزاما تجاه حليف كحزب الله، وتجاه ما يفترضونه المصالح العليا للثورة التي لا يمكنهم التفريط فيها.

هذه النزعة الاستشهادية ليست فقط بنت التقليد الحسيني الاستشهادي الذي سنه الحسين رضي الله عنه، ولكنها أيضا بنت المسار الثوري نفسه، المسار الثوري يخلق نزعة استشهادية.

هذا لا يعني أن هذا الالتزام الثوري محتوم وأبدي، يمكن أن يتغير قطعا، الثوار تعتريهم الكلبية، والأجيال التالية على الثورة تفتقد إلى جنونها وتسلم بواقعية الضرورة والمصالح المباشرة.

بهذا الجنون خسرت إيران كثيرا، وبهذا الجنون تربح اليوم “مؤقتا”.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...