محمد الناجي وخلافه حول المصاحف: قراءة نقدية

حفيظ ابن أحمد. فرنسا
استمعتُ للحقلة كاملة التي أجراها الصحفي يونس مسكين مع السيد محمد الناجي حول كتابه La guerre des corans ، وحاولت الحصول عليه من Amazon لكن غير متوفر حاليا. وكل ما أتى به السيد محمد الناجي لم يكن جديدا البتة. بل كل ذلك يدخل في ما يسمى بعلوم القرآن التي فصّل فيها علماؤنا الأجلاء من قديم الزمان، والمفسرون وعلماء القراءات واللغة، وكل تلك المعلومات يعرفها طالب السنة الأولى دراسات إسلامية، ولو يكون قد اطلع على كتاب علوم القرآن لمناع القطان.! وحتى الردود التى تمت كانت تقليدية جدا، ما يسمى بالفكر الدفاعي، كانت تتهم الرجل بالخضوع لخلفيته الماركسية أو الإيديولوجية، فإنها هي نفسها كانت تتحرك داخل أفق هوياتي دفاعي لا يقل إيديولوجية عنه، حيث تحولت إلى نوع من ( السجال ) الذي يسعى إلى حماية صورة مكتملة ومغلقة عن التراث، أكثر مما يسعى إلى إنتاج معرفة جديدة قادرة على استيعاب تحولات العصر وأسئلته.
ملاحظات منهجية في قراءة محمد الناجي لتاريخ القرآن.
ليست إثارة الأسئلة حول تاريخ المصحف، ولا استدعاء مباحث القراءات والرسم والجمع والتدوين، أمرا طارئا على الثقافة الإسلامية أو خارجا عن تقاليدها العلمية. فالذي يعرف شيئا من تاريخ علوم القرآن يدرك أن هذه القضايا لم تكن يوما من المسكوت عنه، ولا من الأسرار التي أخفاها العلماء عن العامة، بل كانت جزءا من صميم الاشتغال الإسلامي على النص القرآني منذ القرون الأولى. لقد تكلم العلماء في جمع القرآن، وفي الأحرف والقراءات، وفي الرسم العثماني، وفي اختلاف وجوه الأداء، وفي مصاحف بعض الصحابة، وفي شروط قبول القراءة، وفي العلاقة بين المشافهة والكتابة، وتركوا في ذلك تراثا واسعا، دقيقا، متشعبا، لا يمكن تجاوزه بادعاء الكشف أو المفاجأة.
غير أن الإشكال لا يبدأ من ذكر هذه المباحث، بل من طريقة توظيفها. فبين أن تُقرأ القراءات والرسم والجمع داخل منطق التلقي والحفظ والرواية، وبين أن تُنتزع من سياقها العلمي لتُعاد زراعتها داخل أفق تاريخاني مادي يريد أن يجعل القرآن نصا تشكّل كما تتشكل النصوص البشرية، مسافة منهجية شاسعة. هنا تحديدا تظهر مشكلة أطروحة «حرب المصاحف» كما يعرضها محمد الناجي؛ فهي لا تكتفي بإعادة فتح أسئلة قديمة، بل تعيد بناء معناها داخل تصور مسبق يرى في النص القرآني حصيلة صراع اجتماعي وسياسي، لا ثمرة وحي محفوظ وتلقٍّ جماعي متواتر.
ومن ثم، فمحمد الناجي لا يأتي بجديد حقيقي في مادة القراءات أو الرسم أو أخبار الجمع. الجديد عنده ليس في المعطى، بل في الإطار الذي تُدرج فيه تلك المعطيات. وهذا أخطر من مجرد الخطأ في المعلومة، لأن الخطأ في المعلومة يمكن تصحيحه، أما الخطأ في الإطار المنهجي فيُنتج قراءة كاملة مائلة، حتى لو استعملت مواد صحيحة في ظاهرها. فالمشكلة ليست أن يقال إن في التراث حديثا عن القراءات، أو إن للمصحف رسما مخصوصا، أو إن الجمع العثماني كان لحظة حاسمة في تاريخ المصحف؛ المشكلة أن تُحوّل هذه القضايا إلى قرائن على سيولة النص، وتطوره، وتدخّل السلطة في تصنيعه، وإقصاء صيغ أخرى مزعومة.
لقد تعامل علماء القرآن مع اختلاف القراءات بوصفه اختلاف أداء منقولا مضبوطا، لا بوصفه تعددا في نصوص متصارعة. والفرق بين الأمرين جوهري.
فالقراءة في الاصطلاح الإسلامي ليست رأيا لغويا حرا، ولا اجتهادا أدبيا في صياغة النص، بل وجه أداء متلقى، محكوم بالسند والمشافهة والرسم والقبول الجماعي.
ولهذا اشترط العلماء في القراءة المقبولة شروطا معروفة، منها صحة النقل، وموافقة العربية، وموافقة رسم المصحف ولو احتمالا. هذه الشروط تكشف أن الأمة لم تترك النص القرآني في فضاء الاحتمال، بل ضبطته بأدوات رواية وتلقٍّ لا نظير لها في تاريخ النصوص.
أما القراءة التاريخانية، فإنها تأخذ الظاهرة نفسها وتمنحها معنى آخر. فاختلاف القراءات، الذي هو في علوم القرآن تنوع أداء متواتر أو مقبول بضوابطه، يصبح في هذا التصور علامة على اضطراب النص أو تطوره. وخصائص الرسم العثماني، التي درسها العلماء في بابها بوصفها طريقة كتابة مخصوصة خادمة للتلقي، تتحول إلى دليل على عدم استقرار النص. وأخبار مصاحف الصحابة، التي تحتاج إلى تمييز دقيق بين المصحف الشخصي، والترتيب التعليمي، والتفسير المدرج، والقراءة الشاذة، تُستعمل لبناء صورة درامية عن «مصاحف» متنافسة انتهى الصراع بينها بانتصار مصحف رسمي أقرته السلطة السياسية الحاكمة. وهكذا لا تتغير المادة وحدها، بل يتغير معناها جذريا.
والحال أن القرآن في التجربة الإسلامية لم يكن نصا مكتوبا فقط، حتى يُفهم تاريخه من خلال الورق والرسم وحدهما، بل كان قبل ذلك نصا متلوا، محفوظا، متعبدا بتلاوته، حاضرا في الصلاة والتعليم والذاكرة الجماعية. وهذه نقطة مركزية لا تستوعبها كثير من القراءات الحديثة التي تقيس القرآن على النصوص الأدبية أو الدينية الأخرى.
فالنص القرآني لم يحفظه المصحف وحده، ولا السلطة وحدها، ولا قرار إداري مفرد، بل حفظه تضافر نادر بين المشافهة والكتابة والعبادة والحفظ الجماعي. ولذلك فإن اختزال تاريخ القرآن في تاريخ وثيقة مكتوبة، أو في لحظة قرار سياسي، اختزال يفقِد الظاهرة القرآنية خصوصيتها البنيوية.
من هنا يبدو الفرق بين «تاريخ التلقي» و«تاريخ التصنيع» فرقا حاسما. فالرؤية الإسلامية تتحدث عن قرآن نزل وحيا، وتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأه على أصحابه، وحفظوه في صدورهم، وكتبوه في حياته، ثم جُمع في الصحف، ثم وُحّد رسمه في المصاحف العثمانية منعا للنزاع وحفظا لوحدة التلقي. أما القراءة المادية التاريخانية الناجية الأركونية، فتعيد ترتيب القصة على نحو آخر: نص في طور التشكل، جماعات تتداول صيغا متعددة، سلطة مركزية تتدخل، مصحف رسمي يُفرض، وصيغ أخرى تُقصى، ثم تأتي الذاكرة الدينية اللاحقة لتضفي على هذا المسار صفة القداسة.! هنا لا نكون أمام اختلاف في التفاصيل، بل أمام انقلاب في طبيعة الموضوع.
واللافت أن هذا الانقلاب غالبا ما يتخفى خلف لغة تبدو علمية: «التاريخ الاجتماعي للنص»، «تطور المصحف»، «تعدد المصاحف»، «السلطة والنص»، «توحيد القراءة»، وما إلى ذلك من عبارات قد تبدو محايدة لأول وهلة. لكنها في العمق تنطلق من فرضية فلسفية غير معلنة: استبعاد الوحي من التحليل. فإذا استُبعد الوحي ابتداء، لم يبق إلا أن يُفسر القرآن بعوامل اللغة والاجتماع والسياسة والصراع وبناء الشرعية. وحينئذ تصبح النتيجة موجودة في المقدمة، فمن يبدأ بتحييد الوحي سينتهي بالضرورة إلى بشرنة النص وأنسنته، ولو سمّى ذلك بحثا تاريخيا أو قراءة نقدية.
ولا يعني هذا أن البحث التاريخي في القرآن ممنوع أو أن الأسئلة حول الجمع والرسم والقراءات لا يجوز طرحها. مثل هذا الموقف لا يخدم العلم ولا الإيمان. إنما المطلوب هو التمييز بين البحث التاريخي الجاد وبين التوظيف الأيديولوجي للتاريخ.
فالبحث الجاد يسأل، ويفحص، ويقارن، ويتثبت، ويعرف حدود الدليل، ولا يحول الاحتمال إلى يقين، ولا الرواية الجزئية إلى نظرية كلية، ولا الخبر المختلف في ثبوته إلى أصل تفسيري شامل. أما القراءة المؤدلجة فإنها تبدأ من النتيجة ثم تبحث لها عن شواهد، وتتعامل مع كل اختلاف بوصفه صراعا، ومع كل ضبط بوصفه قمعا، ومع كل إجماع بوصفه أثرا من آثار السلطة.
تصوير الجمع العثماني – مثلا – على أنه لحظة تصنيع سياسي للنص، يخلط بين الجمع والتأليف، وبين التوحيد والحذف، وبين حماية التلقي وصناعة المقدس.
فالمعروف في الرواية الإسلامية وسرديتها، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم ينشئ قرآنا جديدا، بل جمع الناس على رسم جامع دفعا للنزاع الذي بدأ يظهر مع اتساع الأمصار واختلاف وجوه الأداء بين القراء والقبائل والبلدان. لقد كان الإجراء العثماني إجراء حفظ وضبط، لا إجراء اختراع وإقصاء. ومن الخطأ المنهجي أن يُقرأ هذا الفعل بمنطق الدولة الحديثة التي تحتكر النصوص الرسمية، أو بمنطق الصراع الأيديولوجي المعاصر، ثم يُسقط ذلك كله على القرن الأول الهجري.
ثم إن دعوى أن السلطة فرضت مصحفا رسميا على أمة كاملة تصطدم بسؤال جوهري: كيف يمكن لقرار سياسي، مهما بلغت قوته، أن يخلق تواترا من العدم؟؟
السلطة تستطيع أن تصدر أمرا، وأن تمنع وثائق، وأن تعتمد نسخة إدارية، لكنها لا تستطيع أن تزرع في صدور الناس نصا لم يتلقوه، ولا أن تجعلهم يتعبدون به في صلواتهم، ولا أن تمحو من ذاكرتهم الجماعية نصوصا أخرى لو كانت مشتهرة ومتداولة، فالتواتر ليس قرارا إداريا، ولا يمكن إنتاجه بمرسوم. هذه حقيقة منهجية ينبغي أن تقف في وجه كل سردية تختزل حفظ القرآن في فعل سلطوي.
أما أخبار مصاحف الصحابة، فهي من أكثر الأبواب التي يقع فيها التلبيس، وسوء الفهم، فكلمة «مصحف» في تلك الأخبار لا تعني بالضرورة نسخة قرآنية بديلة ومنافسة للمصحف الإمام. فقد يكون المقصود صحيفة تعليمية، أو ترتيبا خاصا، أو مجموعا يضم تفسيرا أو دعاء أو بيانا، أو قراءة لم تثبت بشروط القراءة المقبولة، أو ما كان قبل التوحيد النهائي للرسم. ومن غير المنهجي أن تُجمع هذه الأخبار المتفاوتة في الثبوت والدلالة، ثم تُصاغ منها قصة كبرى عن «حرب مصاحف».
الانتقال من أخبار جزئية تحتاج إلى تحقيق إلى أطروحة شاملة عن صراع نصوص، انتقال لا يسوغه الدليل، بل تفرضه الرغبة التأويلية.
وهنا يظهر أثر الخلفية الفلسفية في قراءة الظاهرة الدينية. فحين تُقرأ الأديان من زاوية مادية صارمة، فإن النصوص المقدسة تتحول غالبا إلى منتجات اجتماعية، والقداسة إلى بناء رمزي، والوحي إلى تعبير عن حاجة الجماعة، والمؤسسة الدينية إلى جهاز لإنتاج الشرعية. وهذه أدوات قد تفيد في دراسة بعض الظواهر المحيطة بالدين، لكنها تصبح قاصرة وخطيرة حين تتحول إلى تفسير كلي للوحي نفسه. فهناك فرق بين أن ندرس أثر القرآن في بناء الجماعة والدولة، وبين أن نزعم أن الجماعة والدولة هما اللتان صنعتا القرآن. الأولى ملاحظة تاريخية قابلة للبحث، أما الثانية فدعوى فلسفية كبرى تحتاج إلى برهان لا إلى إيحاءات.
في هذا السياق يمكن فهم القرب المنهجي بين ما يطرحه السيد محمد الناجي وبعض القراءات الحداثية العربية، من محمد أركون إلى غيره، حيث يجري نقل القرآن من مجال الوحي إلى مجال النص التاريخي، ومن مجال التلقي إلى مجال الإنتاج، ومن مجال القداسة المؤسسة إلى مجال القداسة المصنوعة. تختلف الأسماء والمفردات، لكن البنية العامة واحدة: إخضاع القرآن لمنهج لا يرى في النصوص إلا شروطها التاريخية، ولا يرى في القداسة إلا أثرا من آثار الجماعة، ولا يرى في الإجماع إلا نتيجة من نتائج السلطة. وهذا ليس حيادا علميا كما يُقدَّم أحيانا، بل هو موقف فلسفي كامل من الوحي والمعنى والتاريخ.
فالقرآن، بلا شك، نزل بلسان عربي مبين، وخاطب بشرا في التاريخ، وتفاعل مع وقائع وأحداث، واحتاج فهمه إلى معرفة العربية والسياق وأسباب النزول. لكن كونه عربيا لا يجعله نصا بشريا، وكونه نزل في التاريخ لا يعني أن التاريخ صنعه، وكونه تُلي وحُفظ وكُتب بأيدي البشر لا يعني أن البشر أنتجوه. الوحي لا يلغي اللغة، لكنه لا يذوب فيها. والوحي لا يلغي التاريخ، لكنه لا يُختزل فيه. والوحي لا يلغي التلقي البشري، لكنه لا يتحول بسبب التلقي إلى صناعة بشرية. هذه التمييزات الدقيقة هي ما تغفله القراءات التي تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه، ولا تترك للوحي إلا أن يكون اسما شعريا لتجربة تاريخية.
ومن الإنصاف القول إن الموقف الإسلامي القوي لا يقوم على إنكار وجود القراءات، ولا على تجاهل خصائص الرسم، ولا على التهرب من أخبار الجمع، ولا على إخفاء ما ورد عن مصاحف بعض الصحابة. هذا موقف ضعيف، لأنه يترك المجال للخصم كي يظهر بمظهر من يكشف ما لا يعرفه المسلمون عن تراثهم. والموقف الأقوى هو أن نقول: نعم، هذه القضايا موجودة، وقد درسها علماؤنا منذ قرون، لكنها لا تدل على ما تريد القراءة التاريخانية وإلزامنا به.
القراءات ليست فوضى نصية، والرسم ليس اضطرابا، والجمع ليس تصنيعا، ومصاحف الصحابة ليست قرآنات بديلة، والتوحيد العثماني ليس انقلابا سياسيا على الوحي الشريف المعياري.
الخلل في أطروحة «حرب المصاحف» يكمن في سلسلة من الخلط المنهجي: الخلط بين الاختلاف والتناقض، بين القراءة والنص، بين الرسم والوحي، بين الجمع والتأليف، بين المصحف الشخصي والمصحف الإمام، بين الخبر الجزئي والنظرية الكلية، وبين دراسة التاريخ واختزال الوحي في التاريخ. وهذه الخلطات الجلطات حين تجتمع تنتج سردية مثيرة، لكنها لا تنتج معرفة رصينة. وقد تصلح هذه السردية لجذب الانتباه في برنامج حواري، أو لإثارة القارئ بعنوان صادم، لكنها لا تكفي لبناء حكم علمي على تاريخ القرآن.
والحق أن العنوان نفسه، «حرب المصاحف»، يكشف مقدار الحمولة الدرامية التي يراد إدخالها على موضوع يحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والتحقيق. فليس كل اختلاف حربا، وليس كل تعدد في وجوه الأداء صراعا، وليس كل توحيد للرسم قمعا، وليس كل إجماع نتيجة إقصاء.
أحيانا يكون التعدد منضبطا، والتوحيد حفظا، والإجماع ثمرة تلقٍّ، لا أثر سلطة. لكن العقل المأخوذ بمنطق الصراع لا يرى في التاريخ إلا غلبة ومغلوبا، ولا يرى في المؤسسة إلا قهرا، ولا يرى في النص إلا نتيجة توازنات قوة.
لذلك فإن النقاش الحقيقي مع محمد الناجي وأمثاله لا ينبغي أن ينحصر في تصحيح معلومة هنا أو هناك، على أهمية ذلك، بل ينبغي أن يتجه إلى البنية العميقة التي تحكم قراءته. فالسؤال ليس: هل وُجدت قراءات؟؟ نعم وُجدت، وليس: هل للرسم العثماني خصائص؟؟ نعم له خصائص، وليس: هل وقع جمع وتوحيد؟؟نعم وقع. السؤال الحقيقي هو: ما معنى هذه الوقائع؟؟ هل معناها أن القرآن نص بشري تطور وصُنع داخل صراع السلطة؟؟ أم معناها أن الأمة مارست أعلى درجات الضبط والتلقي والحفظ لنص تؤمن أنه وحي الله؟؟
هنا موضع الخلاف، وهنا ينبغي أن تكون المعركة الفكرية.
من لم يفهم معنى التلقي لن يفهم معنى المصحف. ومن لم يدرك مركزية المشافهة والحفظ والعبادة في تاريخ القرآن سيظل يفتش عن القرآن في الورق وحده، أو في قرار السلطة وحده، أو في فرضيات المؤرخين وحدها. والقرآن أكبر من ذلك كله؛ فقد عاش في الصدور قبل السطور، وفي الصلاة قبل الدواوين، وفي اللسان الجماعي قبل أن يكون موضوعا لأطروحات التفكيك والتاريخانية المستوردة.
ليست المسألة إذن أن محمد الناجي كشف ما جهله المسلمون، بل أنه أعاد تأويل ما عرفه المسلمون منذ قرون داخل أفق فلسفي يريد أن يرى في كل علم من علوم القرآن شاهدا على بشرية القرآن، وفي كل ضبط للنص أثرا من آثار السلطة، وفي كل اختلاف منقول علامة على تطور النص. وهذا ليس بحثا بريئا، بل قراءة مؤدلجة تستعمل أدوات العلم لتثبيت فرضية سابقة.
أما المسلم العاقل، فلا يخاف من الأسئلة، ولا يهرب من التاريخ، ولا ينكر تعقيد التراث. لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن تُختزل علوم القرآن في حكاية صراع، ولا أن يتحول تاريخ الحفظ إلى أسطورة تصنيع، ولا أن يُستعمل ما كتبه العلماء في خدمة النتيجة التي نقضوها هم أنفسهم. لقد عرف المسلمون القراءات والرسم والجمع، ودرسوها، وقبلوها ضمن منظومة الحفظ والتواتر. ولم تكن هذه العلوم ثغرة في جدار القرآن، بل كانت من دلائل العناية به.
ومن هنا يمكن القول إن ما يسمى «حرب المصاحف» ليس في حقيقته حرب مصاحف، بل حرب تأويلات. تأويل يريد أن يرى في القرآن وحيا محفوظا تلقته الأمة وضبطته، وتأويل يريد أن يراه نصا تاريخيا صنعته الجماعة وثبّتته السلطة. وبين التأويلين لا يفصل مجرد اختلاف في قراءة خبر أو رواية، بل يفصل تصور كامل للإنسان، والوحي، والتاريخ، والمعرفة.
القرآن، في نهاية المطاف، لم يحفظه قرار سياسي عابر، بل حفظته أمة كاملة: صدورا، وألسنة، وصلوات، ومحاريب، ومصاحف، وأسانيد، وعلوما، وأجيالا. ومن أراد أن يختزل هذا التاريخ العظيم في عنوان مثير عن «حرب المصاحف»، فقد ضيّق واسعا، وبسّط مركبا، وحوّل علما دقيقا إلى سردية صراع. أما من أراد العلم حقا، فليبدأ من حيث بدأ العلماء: من التلقي، لا من الشك المؤدلج؛ ومن الدليل، لا من الفرضية الجاهزة؛ ومن فهم خصوصية القرآن، لا من قياسه على كل نص بشري آخر.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن ما يقدمه بعض الحداثيين بوصفه كشفا جديدا ليس إلا قراءة قديمة في ثوب جديد؛ قراءة تبدأ من نفي الوحي، ثم تبحث في التراث عما يؤيد هذا النفي. أما علوم القرآن، بكل ما فيها من دقة وتشعب، فقد كانت أوسع وأعمق وأصدق من هذه الاختزالات؛ لأنها لم تخف من الأسئلة، لكنها لم تسمح للأسئلة أن تتحول إلى أيديولوجيا مقنّعة.
ومن لم يميز بين السؤال العلمي والفرضية المؤدلجة، سيظن كل إثارة معرفة، وكل تشكيك نقدا، وكل عنوان صادم فتحا جديدا. أما العقلاء، فيدركون أن العلم لا يقاس بجرأة العنوان، بل بصرامة المنهج، وأن النقد لا يكون نقدا حتى ينصف موضوعه، وأن القرآن لا يُفهم حقا إلا إذا فُهم تاريخ تلقيه كما هو: تاريخ أمة تلقت كتابها بالحفظ، والقراءة، والعمل، والتعبد، جيلا بعد جيل.
في انتظار الحصول على الكتاب الأصلي للسيد محمد الناجي.




التعليقات