فقه الحج في المذهب المالكي
ذ. محمد المهدي اقرابش
أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا
نائب أمين المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا.
عزمت في مقالتي هذه، أن أكتب عن فقه الحج في المذهب المالكي، بعد أن حررت بحمد الله مقالات سابقة حول فقه الصلاة والصوم والزكاة عند المالكية، ملتزما قدر الإمكان الأسلوب الفقهي الذي تميزت به المختصرات والرسائل الفقهية عند السادة المالكية .
وسأحاول ان أذكر كل مايتعلق بهذا الركن الخامس في الإسلام؛ ولأن المناسبة قيد أو شرط كما قرر الفقهاء، فإني أرجو أن ينفع الله بمقالتي هذه قارئها وناشرها وقبلهما ومعهما كاتبها.
إن معنى الحج في اللغة هو قصد مكان والتوجه إليه، واصطلاحا هو الركن الخامس في الإسلام، و هو واجب مرة واحدة في العمر على كل مسلم ومسلمة، مستطيع ومكلف و بالغ و عاقل، لقول الله تعالى “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ” الآية 97 سورة آل عمران.
وحكمة الحج تتجلى في جمع المسلمين الوافدين من أنحاء العالم، على صعيد واحد و كلمة واحدة، لعبادة الله وتوحيده ولتحقيق الأخوة الدينية.
ولا يكون الحج صحيحا إلا بالوقوف بمكان اسمه عرفة، اليوم التاسع من ذي الحجة إلى ما بعد غروب الشمس ليلة يوم النحر، وإلا فالأقل أن يقف فيه زمنا يسيرا قبل غروب الشمس إلى ما بعد غروبها ليلة عيد الأضحى. والليل سابق على النهار في الحساب. والوقوف معناه حضور المشهد في عرفة أو عرفات وهما مترادفان، وبطواف سبعة أشواط ببيت الله الحرام( الكعبة)، وسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، شوطاً ذهابا و شوطاً إيابا، وكل هذا يكون بنية الإحرام، و دليله لباس الإحرام المتجرد من المخيط والمحيط و هو إزار ورداء أبيضان إن تيسر ذلك، يلبسهما المحرم بعد التنظيف وإزالة الشعث والشعر الزائد و اغتساله ووضوئه؛ و لا يغطي المحرم رأسه و لا وجهه(أما المرأة فتغطي رأسها ولا تغطي وجهها)و المحرم (رجلا أو امرأة) لا يقلم الأظافر، ولا يتطيب ولو بالصابون، ولا يزيل الشعر أو بعضه إلى أن يتحلل من إحرامه، و لا يجامع زوجه حتى يفرغ من حجه بطواف الإفاضة. ولاتغطي المرأة المحرمة وجهها، و لا تلبس القفازين. و لا يصطاد المحرم حيوانا، ولا يقطع نباتا او شجرا في مكة، و لا يسب ولا يشتم و لا يجادل و لا يرفث ولا يفسق. فإن فعل شيئا من ذلك فإنه يصوم ثلاثة ايام متتابعات او متفرقات في أي وقت وفي أي مكان، أو يطعم ستة مساكين مجتمعين أو متفرقين في اي زمان ومكان، او يذبح شاة أو بقرة أو ناقة. أما إذا جامع اهله وهو محرم فيجب عليه الهدي (ذبح شاة او بقرة أو ناقة)و حجه فاسد، ويجب عليه أن يحج السنة الموالية أي المقبلة او القابلة.
ويجوز للمحرم أن يقتل العقرب والحية و ما به ضرر من الحشرات المؤذية حماية لنفسه ولغيره. ومن قتل البعوض والذباب والنمل وهو محرم، فإن الإطعام يلزمه على قدر المستطاع و لا هدي عليه.
ويكون الهدي إما بذبح شاة أو بقرة أو ناقة على حسب المستطاع. و من فسد حجه فإنه يتمه ولا يقطعه و إتمامه بأن يتحلل منه بعمرة.
و الحج أشهر معلومات و هي: شوال و ذو القعدة وذو الحجة، ينوي فيها الحاج حجه، فيعتمر أوَّلاً إذا أراد ثم يتحلل وينتظر اليوم الثامن من ذي الحجة أي يوم التروية ليحج، وهو الغالب في عمل الحجاج اليوم.
و تنعقد نية المُحْرِمِ باغتساله وإحرامه وعقد نيته بعد ان يصلي ركعتين بقوله “لبيك الله عمرة” إذا أراد التمتع” أي يتمتع بالعمرة إلى الحج و يفصل بينهما بحياة عادية و كأنه في بلده في انتظار اليوم الثامن من ذي الحجة؛ أو “لبيك الله عمرة و حجة” إذا أراد القران أو الجمع بين العمرة والحج، فيظل في إحرامه في جميع مناسك العمرة والحج. أو “لبيك اللهم حجة إذا أراد الإفراد، أي الاكتفاء بالحج فقط وهي تستغرق مدة ستة أيام فقط، و يتلفظ بالنية عند الميقات المكاني و هو مكان اسمه رابغ للمغاربة أو أبيار علي لِمَنْ مرَّ على المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
يبدأ المحرم في التلبية و هي واجبة مرة واحدة و يجب عليه الهدي إن ترك التلبية، أما إن تلفظ بها مرة واحدة فقط و تركها بعد ذلك فلا شيء عليه ولكنه ترك خيرا كثيرا؛ولفظها هو : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعم لك والملك لا شريك لك. يرفع المحرم الرجل صوته بها أمّا المرأة فإنها تُسْمِعُ نفسها. و قد جاء في الأثر أن الله يحب من عبده الثَّجُّ و الْعَجُّ في الحج؛ و الثج هو الهدي و العج هو رفع الصوت بالتلبية باعتدال ودون صراخ. ثم يقطع المحرم التلبية عند دخول مكة؛ و يطوف سبعة أشواط حول بيت الله الحرام (الكعبة)؛ و الوضوء شرط واجب للطواف لأن الطواف صلاة؛ ثم يصلي بعد طوافه ركعتين بالفاتحة والكافرون و الفاتحة والإخلاص، ويشرب من ماء زمزم ولِيَدْعُ اللهَ بكل خير، ويسعى بعد ذلك بين الصفا والمروة سبعة أشواط؛ يحسب شوطا ذهابا من الصفا إلى المروة، وشوطا ثانيا إيابا من المروة إلى الصفا، إلى أن يفرغ من سبعة أشواط. ثم يتحلل من إحرامه بتقصير شعره او حلق رأسه. مع أن تقصير الشعر للعمرة أفضل لترك مجالٍ لحلق رأسه عند التحلل الأكبر من الحج، خاصة إذا كان زمن العمرة والحج متقاربين و هذا للحاج المتمتع فقط.
و يُحرِمُ الحاج في اليوم الثامن من ذي الحجة في مكة؛ و يقول لبيك الله حجة لأنه دخل في أول أمره بنية التمتع مع ذبح هدي في منى أو القران مع سوق وذبح هدي . أما إذا أراد المحرم الحج فقط فإنه يحرم اليوم الثامن و لا هدي عليه لأنه لم ينو أداء العمرة بل نوى أداء الحج فقط.
والإفراد هو أفضل أنساك الحج أما التمتع والقران فهما أقل منه لأن الهدي (ذبح شاة) لازم لهما. و مع هذا فالتمتع أيسر وأخف و أحب عند من رأى بهذا القول.
و قد جرى النظام في بلاد المملكة العربية السعودية على تكليف شركات مرخصة للمساعدة على النيابة عن الحجاج الذين يرغبون في أداء الهدي(ذبح شاة او بقرة او ناقة).
و يجوز للحاج بناء على فتوى من المجلس العلمي الأعلى المغربي التوجه مباشرة إلى عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة دون المرور على منى في اليوم الثامن (يوم التروية) من ذي الحجة.
فيمكث فيها طول يومه أو آخر يومه إلى ما بعد غروب الشمس. و من فاته الوقوف بعرفة فلا حج له، لأن الحج عرفة كما في الحديث النبوي الشريف. و ليس المراد بالوقوف الوقوفُ الذي يتبادر إلى الذهن و إنما المراد هو الحضور، وليس المرادُ الوقوفَ في جبل الرحمة حصرا، و إنما المقصود هو صعيد عرفات بحدوده المعروفة، ثم ينزل بمكان اسمه مزدلفة بعد غروب الشمس ليلة العاشر من ذي الحجة أي يوم النحر، و يجمع الحصيات أو الجمرات. فيرمي يوم النحر جمرة العقبة الكبرى سبع حصيات مع السكينة و التكبير عند كل رمية و الذِّكر، ثم يحلق رأسه أو يقصر شعره، والحلق أفضل. و ينحر إن استطاع أو يكلف من ينوب عنه من الشركات والهيئات المعروفة في هذا الباب.
و قد يؤجل النحر إلى مابعد أيام التشريق و طواف الإفاضة إن عرض له عارض أو مانع. وأيام التشريق ثلاثة للمتأخر وهي اليوم 11 و 12و 13 أما بالنسبة للمتعجل فيومان و هما 11 و12.
يرمي الحاج في كل يوم من هذه الأيام الثلاثة ثلاث جمرات (صغرى ووسطى وكبرى) و في كل جمرة سبع حصيات فيكون مجموع الحصيات 63 جمرة للمتأخر و 42 جمرة للمتعجل و هذا دون احتساب السبع الجمرات ليوم النحر ( اي يوم العيد). و تبلغ أيام الحج خمسة أيام للمتعجل و ستة أيام للمتأخر.
يجوز ان يحج الحاج عن الميت إذا حج لنفسه أولا؛ ولا يجوز أن يحج عن غيره إذا كان حيا و لو لم يستطع. و من بعث حاجا وتكفل بنفقته، فله أجر النفقة والدعاء الصالح له.
و في الختام، أدعو الله أن يتقبل من الحجيج حجهم ونسكهم و أسألهم أن لا ينسونا من صالح دعائهم، و أن يجعلوا نصيبا وافرا من دعائهم لأمير المؤمنين و للمغاربة و للمسلمين كافة.
و ليلتزموا بالتوجيهات والنصائح التي أسداها لهم امير المؤمنين في رسالته المعهودة للحجاج المغاربة. أما بعثة الحج المغربية فهي قادرة بحمد الله تعالى على تأطير و إرشاد وتوجيه الحجاج المغاربة وغيرهم.
هذا ماتيسر إيراده و ستأتي بقية يسيرة من تفاصيل قليلة في مقالتي الآتية، إن شاء الله.
نسأل الله القبول لنا وللحجاج و للمسلمين عامة.
والحمد لله رب العالمين.
التعليقات