قصة رجل عرفته: أثر الدعاء في الشفاء وإسلام زوجته

11 مايو 2026

د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا

قبل أيام كنتُ جالساً في محلِّ حلاقةٍ يملكه رجلٌ مغربي، أنتظر دوري كعادتي، وكان أمامي رجلٌ لا أعرفه ولم أره من قبل. بدا هادئًا طبيعيَّ الهيئة، ولم يخطر ببالي أن وراء تلك الملامح قصة ابتلاءٍ قاسية. وبعد أن انتهى الحلاق من حلاقة شعره، التفت إليَّ وقد ارتسم التأثر على وجهه، ثم قال: بصوتٍ خافت يحمل شيئًا من الدهشة والإيمان: أتدري؟ هذا الرجل الذي كان يجلس أمامك كان مصابًا بالسرطان، وقد شفاه الله سبحانه شفاءً عجيبًا حتى ظن الأطباء أن الأمر أشبه بالمعجزة. نظرتُ إلى الرجل متعجبًا؛ فقد كان يبدو في صحةٍ وعافية، يتحرك بنشاط، وعلى وجهه سكينة وطمأنينة، حتى إنك لا تكاد تصدق أنه مرَّ يومًا بمرضٍ خطير أنهك جسده وأضعف قواه. وبعد أن غادر الرجل، أخذ الحلاق يحكي لي قصته كما سمعها منه بنفسه. فقد عانى طويلًا مع السرطان، وذاق من الآلام ما أرهق جسده النحيل وأتعب نفسه.

لم يترك علاجًا إلا جرّبه، ولا طبيبًا إلا قصده، وكانت التقارير الطبية كلها تؤكد إصابته بالمرض، وأن حالته تتقدم شيئًا فشيئًا. ومع مرور الأيام اشتد عليه البلاء، حتى شعر أن أجله قد اقترب، وأن أيامه في الدنيا أوشكت على الانتهاء. وكان الرجل ـ كما اعترف عن نفسه ـ بعيدًا عن الطاعة، مقصرًا في الصلاة، غافلًا عن دينه، واقعًا في بعض المحرمات، يعيش في بيئةٍ تغلب عليها الماديات واللهو والغفلة، مما زاده بعدًا عن الله تعالى. لكن حين ضاقت به الأسباب، وانكسرت نفسه تحت وطأة المرض، لم يجد بابًا يلجأ إليه أعظم من باب الله عز وجل.

يقول الرجل: إنه في إحدى الليالي قام منكسر القلب، وقد غلبته الدموع، فرفع يديه إلى السماء يناجي ربه بصدقٍ وإلحاح قائلاً : ” ربِّ أمهلني في الدنيا قليلًا حتى أعمل أعمالًا صالحة أكفّر بها عن ذنوبي، ثم اقبضني إليك إن شئت.” وفي صباح اليوم التالي كان موعد مراجعته الطبية لإجراء الفحوصات الدورية، لكن المفاجأة أذهلت الطبيب؛ فبعد اطلاعه على نتائج الفحوصات لم يجد أيَّ أثرٍ للسرطان.

ظنّ في البداية أن هناك خطأً ما، فأعاد التحاليل والفحوصات مرةً بعد أخرى ليتأكد، غير أن النتائج جاءت متطابقة في كل مرة : المرض اختفى تمامًا. ولم يكتفِ بذلك، بل عرض التقارير على طبيبٍ آخر لمراجعتها، فأكد بدوره أن الفحوصات سليمة، وأنه لا وجود لأي أثرٍ للمرض. عندها بشّره الطبيب بالشفاء، وقد بدا عليه الذهول من الحالة، ثم سأله عن السر وراء هذا التحول المفاجئ. فقصَّ عليه الرجل ما حدث له في تلك الليلة، وكيف وقف بين يدي الله منكسر القلب، صادق التوبة، متضرعًا إليه بالدعاء والرجاء. ولم تقتصر آثار هذه الهداية عليه وحده، بل امتدت إلى زوجته الكتابية التي عايشت معه تفاصيل المرض وأيام المعاناة لحظةً بلحظة، ورأت بعينيها ما مرّ به من ابتلاء ثم ما أعقبه من فرجٍ وشفاء.

وكان زواجه منها في بدايته قائمًا على أسبابٍ دنيوية بحتة، لكن تلك الأحداث غيّرت مجرى حياتهما، فتحولت علاقتهما إلى حياةٍ يملؤها الإيمان والطمأنينة والسكينة، بعد أن جمع الله بين قلبيهما على الهداية والقرب منه سبحانه. ولعل أكثر ما أثار دهشتي وتأثري أنني رأيت هذا الرجل بعيني بعد أن غادر صالون الحلاقة، يرفل في صحةٍ وعافية، تبدو على وجهه سكينةٌ وطمأنينة، ويكاد الحمد لا يفارق لسانه، حتى كأن الله سبحانه قد كتب له عمرًا جديدًا بعدما كان يظن أن أجله قد اقترب وأن أيامه في الدنيا أوشكت على الانتهاء. وقد تركتْ قصته أثرًا بالغًا في نفسي، فحرصت على تدوينها في مذكرة تجاربي؛ رجاء أن تكون فيها عبرةٌ لمن يقرؤها، وتذكيرٌ بسعة رحمة الله تعالى، وعظيم قدرته، ولطفه الخفي بعباده.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...