عودة الدين إلى قلب السياسة العالمية
سعيد الزياني ـ دين بريس
يرى ليو فارادكار، رئيس الوزراء الإيرلندي الأسبق، في مقاله المنشور أخيرا في The Sunday Times بعنوان “In God we trust — but not necessarily the leaders who invoke him”، أن العلاقة بين الدين والسياسة عادت بقوة إلى قلب الأنظمة السياسية الحديثة، وصارت تؤثر في قرارات الحكم، وفي شرعية القادة، وفي طريقة بناء الهوية الوطنية، من الولايات المتحدة وإيرلندا إلى روسيا والهند والبرازيل والعالم الإسلامي.
ينطلق فارادكار من التجربة الإيرلندية ليؤكد أن الدين كان حاضرا في لحظات تأسيسية من تاريخ الدولة، مستحضرا دور الكاثوليكية في الذاكرة السياسية الإيرلندية، وفي انتفاضة عيد الفصح، وفي تشكل الدولة والهوية الوطنية.
وساهم الإيمان الديني في تعبئة وطنية كبرى، كما ارتبط في الوقت نفسه بالانقسام الطائفي، وبقضايا اجتماعية وسياسية تركت آثارها على المجتمع، وعلى وضع النساء، وعلى علاقة الدولة بالمجال العام.
ويتعامل فارادكار مع الدين بوصفه قوة شديدة التأثير، يمكن أن تلهم الناس وتمنحهم معنى أخلاقيا، ويمكن أيضا أن تتحول إلى أداة سياسية خطيرة عندما يضعها القادة في خدمة مشاريعهم السلطوية أو القومية.
والفكرة المركزية في مقاله هي أن الدين ينبغي أن يفهم ويحترم، لأن تجاهله يترك المجال مفتوحا أمام من يستعملونه لتقديس السلطة وإسكات المعارضين.
في العالم الإسلامي، يتوقف فارادكار عند صعود الأصولية الإسلامية خلال العقود الماضية، معتبرا أن دولا كانت تعرف تقاليد علمانية أو قومية، مثل إيران وتركيا وسوريا ومصر، شهدت تحولات عميقة أعادت الدين إلى واجهة المجال السياسي والاجتماعي.
ويشير في هذا السياق إلى مصر التي كانت، في عهد جمال عبد الناصر، دولة ذات توجه قومي اشتراكي، ثم تغير المشهد العام فيها بصورة لافتة، كما يتوقف عند تركيا التي كانت تطمح إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، قبل أن تجد ديمقراطيتها نفسها أمام اختبارات صعبة.
ويمتد التحليل إلى دول أخرى حيث أصبح الدين جزء من هندسة السلطة والهوية، ففي البرازيل، رافق صعود التيارات الإنجيلية نفوذ سياسي مهم استفاد منه جايير بولسونارو.
وفي الهند، ارتبط مشروع ناريندرا مودي بصعود القومية الهندوسية، حيث تداخل الانتماء الديني مع تعريف الأمة والولاء السياسي.
وفي روسيا، منح الإحياء الأرثوذكسي فلاديمير بوتين لغة رمزية لتقديم الدولة الروسية باعتبارها حامية للقيم التقليدية ومواجهة للغرب الليبرالي.
أما في الولايات المتحدة، فيرى فارادكار أن التحالف بين اليمين الديني ودونالد ترامب يكشف مفارقة كبرى في السياسة المعاصرة، إذ استطاع ترامب الحصول على دعم واسع من ناخبين كاثوليك ومسيحيين محافظين، رغم أن صورته الشخصية لا تطابق بالضرورة المثال الأخلاقي الذي ترفعه هذه التيارات.
ولا يتوقف المقال عند ترامب وحده، إذ يشير أيضا إلى شخصيات في محيطه السياسي، من بينها جي دي فانس وبيت هيغسيث، باعتبارها جزء من مشهد أمريكي تتصاعد فيه القومية المسيحية والخطابات الدينية ذات الطابع السياسي.
في مقابل هذا التوظيف السياسي للدين، يرى فارادكار بارقة مختلفة في تجربة جيمس تالاريكو، السياسي الديمقراطي في تكساس، الذي يحاول مخاطبة الناخبين المسيحيين بلغة إنجيلية تركز على الفقر والرحمة والعدالة الاجتماعية، عوض ترك الخطاب الديني حكرا على اليمين المحافظ.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تكشف أن الدين داخل السياسة لا يسير بالضرورة في اتجاه واحد، فقد يكون وسيلة لتغذية الاستقطاب، وقد يتحول إلى لغة أخلاقية لمساءلة السلطة والدفاع عن الكرامة الإنسانية.
ويمنح فارادكار أهمية خاصة لصوت البابا ليو، الذي يقدمه باعتباره نموذجا لحضور ديني مختلف في المجال العام، حضور لا يبارك الحروب أو يضفي القداسة على القوة، وإنما يدعو إلى السلام، ويطالب بمعاملة المهاجرين بكرامة، ويدافع عن السياسات الجامعة، وعن الخير العام في مواجهة الفردانية والمصالح الضيقة، وبالتالي يصبح الدين عند البابا قوة نقد أخلاقي للسلطة، لا غطاء لها.
وتكمن خطورة المرحلة، كما يفهم من مقال فارادكار، في انتقال بعض القادة من احترام الإيمان الشعبي إلى ادعاء امتلاك شرعية مستمدة من العناية الإلهية، عند هذه النقطة يصبح الخلاف السياسي قريبا من الخطيئة، وتتحول المعارضة إلى تمرد على المقدس، ويتراجع التفويض الديمقراطي أمام الخطاب الديني.
ويخلص فارادكار إلى أن الدين سيبقى مؤثرا في قلوب وعقول مليارات البشر، وسيواصل التأثير في السياسة والأحداث الدولية، لذلك لا تكمن الحاجة في إقصائه من المجال العام، ولا في تركه بيد السياسيين دون مساءلة، وإنما في فهمه بجدية، واحترام حرية المعتقد، وكشف محاولات تحويل الإيمان إلى وسيلة للسيطرة، أو إلى رأسمال انتخابي، أو إلى ذريعة لإضفاء القداسة على الزعماء.
ويفتح مقال فارادكار نقاشا يتجاوز الغرب، لأنه يلامس سؤالا كونيا: كيف يمكن للدين أن يبقى مصدرا للمعنى والقيم، من دون أن يتحول إلى وقود للاستقطاب السياسي؟
وكيف تستطيع الدول الحديثة أن تحترم الإيمان، من دون أن تسمح للسياسيين بتحويل المقدس إلى رأسمال انتخابي؟
إنها معادلة دقيقة، وسيكون مستقبل السياسة في كثير من دول العالم مرتبطا بكيفية إدارتها.
التعليقات