فعاليات معرض الكتاب: كرة القدم بأعين مغاربة علم الاجتماع والفن في فرنسا
رشيد المباركي
“كرة القدم، السوسيولوجيا والمسرح: كيف تسللت كرة القدم إلى حياتي كمثقف؟”، هو عنوان ندوة ناقش فيها كل من الكاتب المسرحي والمخرج المغربي الفرنسي، محمد الخطيب، والسوسيولوجي والباحث في المركز الفرنسي للبحث العلمي، مروان محمد، والأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية والاجتماعية ببلجيكا، حسن بوستة، العلاقة المعقدة التي تجعل المثقف ينتقل من مجال أبحاثه إلى كرة القدم، وذلك برواق مجلس الجالية المغربية بالخارج ض فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب الذي تحتضنه الرباط.
توقف حسن بوستة الذي أشرف على إدارة هذه الندوة عند الطابع غير المألوف لهذه المبادرة، التي تضع موضوع كرة القدم في قلب حدث ثقافي هو المعرض الدولي للنشر والكتاب، إلا أنه يري في الموضوع انعكاسا لصورة المجتمع حيث تروي الكرة الكثير عن الذات والمسارات الشخصية والحميمية، معتبرا أن كرة القدم وإن كانت تسيطر في بعض الفترات على الحيّز الاجتماعي والعلاقاتي لكنها تبقى قليلة الحضور في دراسات العلوم الإنسانية، مضيفا أنها تشكل فضاء تلتقي فيه ذاكرة الطبقة العاملة والهامش والهجرة.
أما الكاتب المسرحي محمد الخطيب، الذي يتنوع مجال أعماله بين الأفلام الوثائقية والمسرح، فقد شكّلت كرة القدم جزء من حياته من الطفولة، حيث تلقى في سن السادسة عشرة، دعوة للانضمام إلى المنتخب الفرنسي، غير أنّ والده رفض أن يُفوت عليه الدراسة. كما ركز الخطيب في مداخلته على مكانة الأب بوصفه شخصية مركزية في سرديته، إذ يجسّد رؤية معيّنة للعالم لرجل “كان يشاهد المباريات وهو يعلّق على الفرق “اليسارية”، ذات اللعب الجماعي والتضامني، مقابل الفرق “اليمينية” التي تفضّل القوة المالية على تماسك المجموعة” يضيف الخطيب، مبرزا كيف يعكس إسقاط قراءة سياسية على كرة القدم، حضور هذه الرياضة في نقاشات جيل بأكمله. وعلى الرغم من أن الإصابة أنهت مبكرا مسيرة الخطيب، لكنه لم يغادر الملعب، بل نقل شغفه بكل ما تحمل لكرة القدم من مفاجئات ولحظات توتر إلى المسرح، حيث يطلق الممثل عنان الإبداع عندما ينسى نصّه، وهو شبيه بما يمكن أن يقع في مباراة للكرة في الدقائق الأخيرة.
بالنسبة لمحمد مروان، السوسيولوجي الذي يهتم في أبحاثه بمواضيع اللامساواة الاجتماعية والحضرية والعرقية في أحياء الضواحي، والذي صدر له في فرنسا مؤخرا مؤلف بعنوان “لم يكن الأمر محسوما! حكاية ريمونتادا من الفشل الدراسي إلى المركز الوطني للبحث العلمي، على حضور الكرة بشكل سلس في لغتتنا اليومية بدون أن ننتبه إلى ذلك، مقدما بعد العبارات المستمدة من المعجم الكروي، ويختصر فكرته بقوله: إن كرة القدم تُشكل إسمنت الحياة الاجتماعية. ويحكي مروان محمد على بداية علاقته بالكرة في مدينة الدار البيضاء خلال طفولته، ويؤكد أنّ هذه التجربة ساهمت لاحقا في بلورة طريقته في التفكير في علم الاجتماع ذاته؛ إذ أصبحت عبارات من صميم “الخطط التكتيكية” و”التموقع داخل الملعب” و”القراءة الجماعية للّعب” بالنسبة إليه استعارات عملية لتحليل الظواهر الاجتماعية.
ويؤكد على أنه يتحمل مسؤولية هذا الموقف بوضوح في الفضاء الأكاديمي الذي لا يعطي قيمة كبيرة لموضوع الكرة، حيث يُنظر إلى إعلان الارتباط الشعبي بالرياضة كنوع من القطيعة مع البحث العلمي؛ ويضيف قائلا إنه يسعى إلى التأكيد على اعتزازه بهذا النشاط الاجتماعي الذي كان بالنسبة إليه مصدرا كبيرا للإلهام. كما أبرز مروان محمد بهذه المناسبة أنه ذهب أبعد من التأمل النظري، وأسس ناديا لكرة القدم في حيّه كان الهدف الأساسي من خلقه هو تجاوز الانقسامات العرقية بين “العرب” و”السود”، مقتنعا بأن كرة القدم هي أفضل وسيلة لكي يجتمع الجميع في المكان نفسه ويتقدّموا في الاتجاه ذاته.
يتفق المتدخلان خلال هذه الندوة على نقطة أساسية، هي أن مسار المنتخب المغربي لكرة القدم في كأس العالم 2022 شكل “زلزالا هوياتيا”؛ ويرى مروان محمد في هذا الإطار، أنّ هذا الحدث كان له “أثر المرآة” على المنتخبات الإفريقية، جعلها تواجه تأخرها، وهو ما انعكس في بطولة كأس الأمم الإفريقية التي أصبحت أكثر تنافسية وحدة فيما بعد. أما ما رافق تلك المشاركة المغربية من “نية وليد الركراكي”، وعلاقة اللاعبين بالأمهات، والاعتزاز بالجذور، يمثل في نظر الباحث في السوسيولوجيا في المركز الفرنسي للبحث العلمي، شكلا من أشكال القطيعة والتحرر من عقدة النقص، “إلى درجة دفعت الكثير من مزدوجي الجنسية إلى التفكير في العودة إلى المغرب”.
التعليقات