فعاليات معرض الكتاب: الاحتفاء بأعمال المؤرخ والمترجم خالد بن الصغير

6 مايو 2026

رشيد المباركي

بشراكة بين مجلس الجالية المغربية بالخارج وأكاديمية المملكة والجامعة الدولية للرباط، احتضن المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب أول أمس تقديم مؤلف جماعي بعنوان “دراسات مغاربية معاصرة التاريخ والترجمة”، وهو عبارة عن أعمال بحثية مهداة إلى الأستاذ والمؤرخ خالد بن الصغير.وشهد هذا اللقاء التكريمي مشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين من تخصصات مختلفة، منهم من شارك بأعمال بحثية في هذا الكتاب الجماعي، ومسؤولي المؤسسات الشريكة في إصدار هذا المؤلف.
في كلمته الترحيبية في هذا اللقاء نوه مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، رحال بوبريك، بهذا الحدث الذي يتجاوز الاحتفاء بإصدار علمي إلى مبادرة لتجديد تقاليد راسخة في الاعتراف وفي إنصاف باحثين افنوا عمرهم في خدمة المعرفة وترسيخ البحث العلمي خاصة في مجال التاريخ.وفي حديثه عن مسار الأستاذ خالد بن الصغير، اعتبر بوبريك أن من أبرز تجليات هذا العطاء إشراف بن الصغير على واحدة من أعرق المجلات التاريخية هي “هيسبيريس تامودا” التي غدت شاهدة على اجتهاده المتواصل مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مشاق علمية وتحريرية، وكذا المجهود الذي بذله في إدخالها أهم قوائم المجلات الدولية من بينها قاعدة سكوربيس، التي تضم أكبر المجلات العلمية المحكمة على الصعيد الدولي.ولم بفوت بوبريك فرصة تكريم الأستاذ بن الصغير دون استعراض مختلف المحطات التي تحكي عن علاقته الشخصية والمهنية به سواء في جامعة محمد الخامس أو في معهد الدراسات الصحراوية، منوها بهذا هذا المشروع الذي يجسد ثقافة الاعتراف، تحت إشراف الأستاذ بجامعة كاليفورنيا وعضو أكاديمية المملكة، عمر بوم.

وبصفته منسق الكتاب إلى جانب الباحثة جيسيكا مارجلين، قدم الأستاذ بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس، عمر بوم، هذا الكتاب باعتباره عملا جماعيا يُقر بالمكانة الفكرية والمساهمة العلمية لخالد بن الصغير، مبرزا أن الأخير استكشف طيلة مسيرته المهنية بالبحث والترجمة مجالات الذاكرة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والهجرة.

كما قدم عمر بوم، نبذة عن الباحث المحتفى به، المزداد بمدينة مكناس، قبل أن يدشن حياته الدراسية والبحثية في الرباط، بداية من أستاذ في السلك الإعدادي وصولا إلى المحاضرة في مدرجات جامعة المحمدية ثم كلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط، حيث أنتج الجزء الأكبر من أعماله البحثية، كأحد أهم المتخصصين المغاربة في التاريخ المعاصر، متأثرا على الخصوص بأعمال جرمان عياش.وبصفته متخصصاً في العلاقات المغربية-البريطانية، وبفضل منشوراته العلمية في مجلتي “المناهل” و”هيسبيريس-تامودا“، فقد اهتم أيضاً بالعلاقات بين المسلمين واليهود، ولا سيما من خلال شخصية جون دروموند هاي، وكذلك بالتطورات الاقتصادية في المغرب، يشير عضو أكاديمية المملكة، عمر بوم.

ومن جانبه توقف الأكاديمي والمؤرخ جامع بيضا، في مداخلته على جوانب من علاقته مع خالد بن الصغير التي تمتد لأربعين سنة، منذ أن التقيا في وفد جامعي شارك في ندوة علمية في جامعة بولاية فيرجينيا بمناسبة تخليد الذكرى المئوية الثانية للعلاقات المغربية الأمريكية؛ بالإضافة إلى التعاون في عدة مشاريع في مجال البحث التاريخي والتنقيب عن أرشيفات المغرب، من بينها تكليف المؤرخ جامع بيضا بالاشتغال على مؤلف بن الصغير الأول الحاصل على جائزة المغرب للكتاب سنة 1990 حول “المغرب وبريطانيا في القرن التاسع عشر”، وكذا إصدار وتقديم العدد التاسع من دورية “الوثائق” بطلب من مؤرخ المملكة الراحل عبد الوهاب بن منصور.

وبخصوص الأعمال المهداة إلى خالد بن الصغير، موضوع الندوة، فيرى جامع بيضا أن إصدار هذه “المنوعات” يشكل تقليدا يندرج ضمن ثقافة العرفان والوفاء العلمي، وتعبيرا عن التقدير لما قدمه الأستاذ بن الصغير من إسهامات في البحث والتأطير والتكوين، ويعكس أيضا استمرار أثره العلمي حتى بعد انتهاء مساره الإداري.وبهذه المناسبة قدم المدير السابق لمؤسسة أرشيف المغرب قراءة تقنية لهذا المؤلف الذي جاء في جزئين يضمان 44 مساهمة بلغات متعددة وبتوقيع 53 باحثا وباحثة من المغرب والولايات المتحدة وتونس وكندا واسبانيا بإشراف من الباحثين عمر بوم وجيسيكا مارجلين.

في مداخلة أخرى بهذا اللقاء تناولت، عالمة الاجتماع وعضو الهياة الوطنية للتقييم في المجلس الأعلى للتربية، سميرة مزبار، البعد التاريخي والمنهجي لأعمال خالد بن الصغير، وشددت على مساهمته في تغيير النظرة إلى التاريخ المغربي في القرن التاسع عشر بشكل موضوعي بعيدا عن المظلومية، بحيث يدافع بن الصغير في أعماله مثلا على أن ترسيم الحدود المغربية هو نتيجة لاستراتيجية دبلوماسية معقدة، وأن السيادة الاقتصادية تشكل حدوداً بحد ذاتها، وأن المغرب كان واعياً بمساحته الإقليمية قبل فترة الاستعمار بوقت طويل.وعلى الصعيد المنهجي، أوضحت مزبار، أن سبب اختيار المؤرخ خالد بن الصغير الاشتغال على الأرشيفات البريطانية جاء لكون بريطانيا كانت قوة إمبريالية عظمى وتمتلك مجموعة من الوثائق التاريخية الاستثنائية، كما أن إتقان بن الصغير للغة الإنجليزية الدبلوماسية جعله يتناول موضوعاته من منظور شامل؛ مشيرة إلى أنه من خلال شخصية الدبلوماسي البريطاني جون دروموند هاي، الذي كان له تأثير كبير على السلاطين المغاربة، يسلط بن الصغير الضوء على الدوافع العميقة للعلاقات السياسية في تلك الحقبة.كما شكلت حرب تطوان في تقدير الباحثة، والتوقيع على ومعاهدة “واد راس” بين المغرب وإسبانيا، نقطة تحول كبيرة خنقت المغرب اقتصادياً، حيث يحللها بن الصغير ليس فقط كهزيمة عسكرية، بل كبداية إرهاصات الاستعمار قبل خمسين عاما من فرض الحماية على المغرب.

أما حسن حافظي علوي، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، فقد استعرض قراءة في القسم العربي من المؤلف، والذي يتضمن 14 ورقة بحثية إضافة إلى مقدمة للمنسقين، حيث أشاد المتدخل بما شملته هذه الأوراق البحثية “وما زخرت به من إفادات سواء الأصلية المبتكرة التي تبشر، في تقديره، بمسلك بحثي جديد؛ أو تلك التي تدعو إلى استلهام دراسات رائدة أو بوح يكشف المستور…إضافة إلى الإسهامات التي أعادت قراءة قضايا تاريخية بتوجهات بحثية راهنية.

من جهة أخرى ركز الأستاذ بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، أحمد صالح الطاهري، في كلمته على البعد الأثري والتراثي للكتاب، وبشكل أعم، على أعمال خالد بن الصغير بصفته المنسق العلمي لمجلة “هيسبيريس-تامودا”، مؤكدا أن بن الصغير كسر الحواجز بين التخصصات، ووحد بين التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا والتراث.

وفي معرض حديثه عن مجلة “هسبيريس-تامودا”، التي عُهد بإدارتها إلى بن الصغير منذ عام 2015، اعتبر الطاهري أن خالد بن الصغير أعطى روحاً جديدة في المجلة بفتحها على جميع العلوم الإنسانية، من خلال ملفات موضوعاتية، تناولت مواضيع كالعمران في المغرب، وعلم الآثار ما قبل التاريخ، والدراسات الأنثروبولوجية، والمدينة في العالم الإسلامي، والتغذية في المغرب من منظور أنثروبولوجي، والفن والحرف اليدوية في المغرب والأندلس.

وفي المداخلة الختامية لهذه الندوة، اعتبر رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، إدريس اليزمي، أن هناك ثلاث أسباب دفعت المجلس إلى الاتخراط في هذا التكريم العلمي وإصدار مؤلف “دراسات مغاربية معاصرة التاريخ والترجمة”، ويتعلق الأمر أولا بالقناعة التي يشتغل بها مجلس الجالية المغربية بالخارج منذ تأسيسه، بأهمية الترابط بين العلوم الإنسانية والعمل المؤسساتي؛ أما السبب الثاني فيلخصه اليزمي في المكانة المركزية للترجمة في سياق التحولات التي تشهدها الجالية المغربية بالخارج، من بينها ظهور نخبة علمية داخل الجالية تنتج اليوم أعمالا وتنشرها بأكثر من عشر لغات، مؤكدا ان تطور المغرب سيعتمد أيضا على قدرته على تعبئة هذه المعارف.

بخصوص السبب الثالث، فيتجسد بحسب في ضرورة التقريب بين هذه الجالية والجامعة المغربية، وهو ما يسعى كل من المجلس والمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب إلى مواكبته، مؤكدا أن خالد بن الصغير يجسد بمفرده هذه الأبعاد الثلاثة فقد نشر وأقام جسور التواصل وترجم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...