إصدار.. الصوفيون كانوا رواد أعمال: قراءة مغاربية جديدة في تراث الزوايا
رشيد المباركي
في بلدان المغرب العربي، لا يعد التصوف ظاهرة هامشية، بل مكونا عميقا في البنية الاجتماعية والثقافية. فمن فاس إلى تمبكتو، ومن مستغانم إلى توزر، تشكلت عبر قرون شبكات صوفية لم تقتصر على البعد الروحي، بل أسهمت في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
في هذا السياق، يأتي كتاب جديد حول التصوف وريادة الأعمال: تأويل ليبرالي للتراث الصوفي ومؤسساته، من تأليف الباحثين مصطفى راجعي وعبد القادر جلجال، دار المقدمة للنشر والتوزيع، 2026، ليقدم قراءة مختلفة لهذا التراث، من خلال أطروحة جريئة: الصوفيون لم يكونوا فقط رجال دين، بل كانوا ــ بمعنى معين ــ رواد أعمال اجتماعيين قبل ظهور هذا المصطلح بقرون.
قراءة ليبرالية للزوايا
ينطلق الكتاب من منظور الفكر الليبرالي الكلاسيكي، مستلهما أعمال كارل بوبر وفريدريش هايك، لإعادة قراءة نشأة الزوايا الصوفية بوصفها نتيجة مبادرات فردية وتفاعلات اجتماعية، لا كمؤسسات مفروضة من أعلى.
فوفق تصور هايك، تتشكل المؤسسات عبر “نظام عفوي” ينبثق من تفاعل الأفراد، بينما يدعو بوبر إلى “هندسة اجتماعية جزئية” تقوم على التجربة والتكيف. وهذان المفهومان يقدمان إطارا لفهم كيف نشأت الزوايا وتطورت في المجتمعات المغاربية.
الزوايا كمؤسسات ريادة اجتماعية
من هذا المنظور، يمكن فهم الزوايا كمؤسسات ريادة اجتماعية قبل أن يصاغ هذا المفهوم حديثا. فقد كانت توفر التعليم، وتنظم التضامن، وتؤدي دور الوساطة، وتدعم أنشطة اقتصادية محلية.هذه الوظائف لم تكن نتيجة تخطيط مركزي، بل جاءت استجابة لحاجات المجتمع، عبر ما يمكن وصفه بهندسة اجتماعية مرنة، تتكيف مع السياقات المحلية.
يقدم الكتاب قراءة لتاريخ الزاوية العلاوية الشاذلية الدرقاوية بمستغانم -الجزائر بصفته تاريخ للمقاولاتية الاجتماعية حيث أسست منذ المؤسس الشيخ أحمد مصطفى العلاوي (1934) إقامة العديد من المبادرات المدنية لصالح المجتمع بشكل عصري ومستقل يعتمد على دعم المحبين المتطوعين بداية بنشر التعليم والحوار بين الأديان في المرحلة الاستعمارية وبعد الاستقلال مبادرات التجديد الزراعي و المبادرات لدعم وترقية التكنولوجيا الإعلام في الثمانيات والتنمية المستدامة ونشر ثقافة السلام وأخيرا مبادرة 16 ماي يوما دوليا للعيش معا في سلام الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2017.
في المغرب، والجزائر تمثل الزاوية التيجانية نموذجا لشبكات دينية ــ اجتماعية عابرة للحدود، ساهمت في ربط المجتمعات الأفريقية وتعزيز الثقة والتبادل، وهو ما يعد أساسا لأي نشاط اقتصادي وتضامني مستقر.
وفي تونس، لعبت الزوايا الشاذلية من المدنية والقاسمية والشابية دورا مهما في الحياة الدينية والاجتماعية، حيث ارتبطت تقاليدها بتعزيز القيم الأخلاقية والعمل الجماعي، ما انعكس في مبادرات محلية للتكافل والخدمة المجتمعية.
أما في موريتانيا، فتظهر محاظر شنقيط نموذجا فريدا لمؤسسات تعليمية تقليدية قائمة على نقل المعرفة محليا، حيث تداخل التعليم مع شبكات التضامن والدعم المجتمعي، ما يعكس قدرة هذه المؤسسات على إنتاج خدمات حقيقية دون الاعتماد على الدولة.
وفي ليبيا، كانت الطريقة السنوسية وراء ميلاد ليبيا الحديثة حيث أسس شبكات تضامن ومؤسسات التأمين الزراعي واسست المدن التجارية ووحت مفاصل مجتمعات متباعدة في شكل وحدة سياسية جديدة
المعرفة المحلية ورأس المال الاجتماعي
أحد مفاتيح نجاح هذه المؤسسات هو اعتمادها على معرفة محلية متجذرة، لا على نماذج مستوردة. وهنا يلتقي التحليل مع أفكار فريدريش هايك حول أهمية المعرفة الموزعة داخل المجتمع. كما اعتمدت الزوايا على رأس مال اجتماعي قائم على الثقة والدعم الطوعي، ما منحها استقلالية وقدرة على الاستمرار دون الاعتماد على التمويل الحكومي.
نقد الأطر المؤسسية الحالية
غير أن الكتاب ينتقل من التحليل إلى النقد، حيث يرى أن الأطر القانونية السائدة في بلدان المغرب العربي ــ وغالبا ما تكون موروثة عن الحقبة الاستعمارية ــ تفرض نموذجا ضيقا للمجتمع المدني. هذا النموذج يقوم على جمعيات تعتمد على الدعم العمومي، ما قد يؤدي إلى إنتاج سلوك ريعي. في المقابل، يكشف تاريخ الزوايا عن نموذج مختلف: مؤسسات غير ربحية، لكنها منتجة للخدمات، مستقلة نسبيا، ومتصلة بالمجتمع.
لا يدعو هذا الطرح إلى العودة إلى الماضي، بل إلى إعادة قراءته. فربما لا يكون السؤال كيف نبني مؤسسات جديدة، بل كيف نفهم المؤسسات التي نشأت من داخل مجتمعاتنا ــ ونجحت ــ قبل أن تسمى “ريادة أعمال” وبناءا على هذا الموروث الصوفي نسهل قيام واستمرار دور المؤسسات الصوفية في بيئة ملائمة مرنة تمكنها من استئناف أدوارها التقليدية في أشكال مؤسساتية جديدة.
التعليقات