من النقد إلى الأزمة

3 مايو 2026

عزالعرب لحكيم بناني

أشكر جامعة سيدي محمد بن عبد الله على احتضان مراسيم تقديم كتاب ر. كوزيليك، المستقبل الماضي، والعرض الذي قدمته خلال اللقاء؛ وأشكر على وجه الخصوص الأستاذين ذ. جمال بوطيب وذ. محمد العلوي، والإداريين والطلبة الذين سهروا على نجاح اللقاء والسيد حمزة فنين، عن دار الكتاب الجديد. وأشكر جمهور الطلبة والباحثين والزملاء الذين حضروا العرض أو الذين قمت بتوقيع نسختهم من الكتاب، في رواق دار الكتاب الجديد.

إنَّ الكتاب الذي أقدمه اليوم للقراء العرب دراسة فلسفية وتاريخية تركيبية تجمع بين جانبين رئيسيين: بين جانب يتعلق بتاريخ المفاهيم من جهة أولى والتاريخ الاجتماعي من جهة ثانية. استفاد كوزيليك في هذه الدراسة بشكلٍ ملموس من السنوات التي قضاها بين سنتي 1972 و1997 (في إطار فريق بحث متكامل) في دراسة المفاهيم التاريخية والاجتماعية التي ظهرت بين سنتي 1850 و1950. وتمَّ توثيق ثمرات تاريخ المصطلح في إخراج ستة مجلدات، لمداخل معجمية كانت تقارب أحيانًا مئة صفحة للمَدخل الواحد.

أوضح أمرين هنا: الهدف هو دراسة تاريخ المفاهيم، بفضل تقديم المعجم التاريخي للمصطلح والطريقة هي البحث متعدد التخصصات. تدخل الدراسة بهذا المعنى في مجال علم المصطلح؛ وهو موضوع اصطلاحات الفنون المألوف في النصوص العربية القديمة. غير أنَّ خصوصيّة المدرسة الألمانيّة تظهر في أمرين:

1. هي أنّها كانت تفحص التحوُّل الدّلالي الذي طرأ على المصطلحات في ضوء المنشورات الفلسفية والتاريخية والخطب السياسية والمنظومات القانونية والإصلاحات الدينية؛ كما اعتمد كوزيليك أدوات الهيرمينوطيقا التي تبلورت مع بلومينبيرغ وغادامير وإيزر وياوس وغيرهم.

2. وهي أنَّ المدرسة الألمانية تقرن علم المصطلح بتحوُّل المصطلح، بناءً على وجود علم خاصٍّ يتعلق بعلم تحوَّل اللغة Sprachwandel، مع رائده هيرمان بول. إذن يوجد معطى عامّ يتعلق بدراسة اللغة عبر تاريخها، بدل تحنيطها في قوالب بنيويّة جامدة. ويؤدّي تحوُّل اللغة إلى تحوُّل الفكر، في إطار التحوُّلات الاجتماعية والمنعطفات التاريخية.

ليس المهمُّ دومًا هو تعريف المصطلح، ولكن تذييل المصطلح. ليس المهم هو أن يصدر القاضي الحكم، بل أن يقوم بتذييله؛ وليس المهم هو أن يقوم البرلمان بالتصويت على مشروع قانون بل هو مناقشة التصويت. الأحكام القضائية والتعريفات والتصويت على القوانين تخضع لمساطر محدّدة سلفًا، على خلاف الحاجة إلى إعمال أوجه الحجاج القانونية والفلسفية لمناقشة التصويت وتعليل الحكم القضائي وشرح التعريفات. يعود الجميع إلى مصادر القانون، لكن المصدر ليس هو الحكم. المصدر واحد والحكم متعدّدٌ في الزمان، في مراحل التقاضي المتعاقبة، واختلاف المصالح بين أطراف التقاضي.

لا يبحث القاضي عن الحقيقة الجنائية، بل يحكم لمصلحة هذا أو ذاك، وفق الأدلة الثابتة. هل نقول ذات الشيء بشأن المؤرخ؟ أيفهم التاريخ في ضوء المصالح أم في ضوء الحقائق؟

اقترن علم التاريخ لدى كوزيليك بالإحراج Dilemma الذي تواجهه نظرية المعرفة التاريخية؛ يتحدث كل واحد منا في مذكراته عن التاريخ “كما كان”؛ أو “هكذا كان”، وندّعي عدمَ التحيُّز، وكأننا أبناء لوكيان وشيشيرون. إذ هناك من يدّعي، سذاجةً منه وليس لومًا، أنه يكتب التاريخ بموضوعيّة لا تحَيُّزَ فيها. وحتى ولو جاز الادّعاء، لا ينكر أحد، كما قال كوزيليك أنَّ “الموضوعية والتحيز يحيلان على بعضهما بعض خلال إنجاز العمل التاريخي.” (ص. 254). وقد ظل المؤرخ رانك Ranke يدافع خلال القرن التاسع عشر عن وجوب الكشف عن الحقيقة العارية كما هي؛ وتحول وهمُ الموضوعية التاريخية في نظر بلومينبيرغ إلى فكرة تنويرية مضادة لاتّجاه التاريخ anachronique، مع أنَّ كلادينيوس (1710ــ1759) قد أعطى الأولوية للتحيز والتحزب، وهو ما أشار إليه بيتر زوندي Szondi : Introduction à l’herméneutique littéraire وكوزيليك في هذا الكتاب.

 

ما معنى غياب الموضوعيّة في علم التاريخ؟

من الزاوية المنطقية، الموضوعية والتحيز مفهومان متضايفان corrélatifs؛ كما أنه لا وجود لزوج دون زوج آخر، لا وجود لتحيز دون موضوعية ولا لموضوعية دون تحيز. يظلُّ كوزليك مؤرّخًا يتوخى ضبط آليات المعرفة العلمية التاريخية؛ لكنَّ المعطيات المادية لم تعد جامدةً جماد العالم القديم؛ لم يعد الزمان مرتبطًا بالحركة الكاملة والأزلية التي تقوم بها الأجرام السماوية. بل أصبح الزمن مقترنا بحركة مستقيمة في اتجاه المستقبل واًصبح الزمن مقترنا بمجال التجربة وأفق التوقع ومتجسدًا في التاريخ الذي لا يستعرض الأحداث بل يصنعها.

انتهى الزمن الدوري، ولا تعود الأيام بصورة دورية وفق آجال معلومة، بل أصبحنا فجأة أمام زمن مفتوح على كلِّ الاتجاهات، بعد سقوط حركة الأجرام السرمدية. ولا يعني التحيز الانطلاق من أحكام ذاتية فقط، بل أصبح يعني ظهور منظورات طوباوية لامتناهية إلى المستقبل، في تنكُّر شامل لكلّ أمجاد الماضي، وهذا ما خلق أزمة الوعي الحديث.

 

ذهب ذلك العهد الذي اعتبر فيه شيشيرون أن التاريخ معلم الحياة وأنَّ الخطيب قادر على خلع الخلود على التاريخ وعلى ضرب الأمثلة واستخلاص العبر.

أصبح الماضي مقبرة كلِ الأحلام التاريخية، دون أن يظهر مستقبل واضح المعالم.

هذه هي أزمة الفكر الحديث. أصبح الفلاسفة طوباويين وعدميين ومتمردين على سلطة الدولة، كما تمردوا من قبل على سلطة الكنيسة.

تظهر الملامح المتشائمة بشكل واضح لدى كوزيليك؛ ذلك أنَّ الحداثة خلقت أحلاما طوباوية لم تظهر بوجه مكشوف إلا نتيجة اعتماد خطتين اجتماعية وفلسفية، وهما التحكم في المستقبل المجهول بواسطة ابتكار نظريات التوقع في الرياضيات الاجتماعية وحساب الاحتمالات، مع كوندورسيه. الخطة الثانية هي ابتكار فلسفة التاريخ من أجل خلع معنى على مسار التاريخ الذي لم يعد له معنى، بعدما سقطت الحركة الدورية الخلدونية.

يجوز لنا أن نربط تشاؤم كوزيليك بتشاؤم ماك إنتاير MacIntyre ، في كتاب ما بعد الفضيلة، حيث زعم أن فلاسفة العصر الحديث حوّلوا التاريخ إلى أشلاء، ولم يستطيعوا تقديم بديل للحطام الذي تركوه خلفهم. هذا ما يمكن أن نستشفه من أطروحة كوزيليك الأولى في كتاب الأزمة والنقد.

شخصيًّا، أعتقد أنَّنا نعيش جزءًا كبيرًا من هذه الأزمات التي تبرز وجود شرخ كبير يفصل الأخلاق الاجتماعية عن أخلاق الضمير ويفصل الدولة عن المثقف ويفصل التمرُّد عن الانصياع ويفصل الثورة عن الإصلاح.

المشكلة الكبرى هي أنَّ النقد الجذريَّ مهم، لكنّه لا يعطي معنى لأيِّ قرار ــ ما عدا إذا ما قبلنا تصور كارل شميت ــ كما أنَّ الأزمة تخلق شعورًا عامًّا بغياب الأمان. غادر النقد مجال الضمير الفردي والحياة الباطنية، وحمل لواء الطموح الطوباوي نحو عالم أفضل. هذا هو بالضبط ما يميّز كوزيليك عن هابرماس الذي أراد تجنُّب الطوباوية ووقع فيما هو شرٌّ منها. وهذا موضوع آخر.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...