تربية ولي العهد في المملكة المغربية الشريفة
محمد خياري
تقدّم ولي العهد الأمير مولاي الحسن بخطوات واثقة،في مشهد سلطاني مهيب بقاعة العرش بالقصر الملكي بالرباط، يحمل في ملامحه وقار الأمراء، وفي نظرته إشعاع المستقبل، مرتديًا زيًّا عسكريًّا رسميًّا. اتجه نحو والده، الجالس في جلسة ملوكية على عرش أسلافه المنعمين، مرتديًا زيًّا سلطانيًّا تقليديًّا.
انحنى الأمير بركبتيه بعد تأدية التحية العسكرية، ثم قبّل يد والده اليمنى من الأمام ومن الخلف، قبل أن يقف مجددًا ليؤدي التحية العسكرية مرة أخرى. كان ذلك مشهدًا يفيض بالرمزية والهيبة، مشهدًا يعلن فيه تعيين الأمير مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القوات المسلحة الملكية. إنه مشهد يختزل في تفاصيله طقوسًا عريقة من تربية الملوك وتقاليد الدولة المغربية الراسخة عبر القرون، حيث تتجلى الاستمرارية بين الماضي والحاضر، ويُستشرف من خلاله مستقبل المملكة في شخص ولي عهدها.
في تلك اللحظة، تذكرت مشهدًا من مسلسل حول حياة الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، حين جلست عاجزة أمام مسألة رياضية بسيطة، مسألة كان يمكن لأي مواطن عادي أن يحلها بسهولة، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن الوصول إلى الحل. غضبت غضبًا شديدًا، ليس من الرياضيات نفسها، وإنما من فكرة أن ملكة الإمبراطورية البريطانية، التي تحمل على عاتقها مسؤولية أمة بأكملها، قد تبدو أقل من مواطن في أبسط العلوم. فصرخت: كيف لملكة أن تعجز عن أمرٍ كهذا؟ وكيف يمكن أن أكون رمزًا لدولة عظيمة وأنا لا أستطيع أن أجيب عن سؤالٍ بسيط؟ ومن تلك اللحظة كان القرار أن تستدعي أمهر عالم في الرياضيات ليعلّمها، لا لأن الرياضيات شرطٌ لتكون ملكة، بل لأن مقامها يفرض عليها أن تكون في مستوى يليق بالرمزية التي تحملها، وأن لا يظهر عليها ضعفٌ يمكن أن يُفهم على أنه ضعفٌ في الدولة نفسها.
بدأت الملكة دروسها مع العالم الكبير، وكأي إنسانٍ يبدأ بالحماسة ثم يفتر مع مرور الوقت، كانت توازن بين مهامها الكبرى وبين هذه الدروس. وفي يومٍ من الأيام، حين كانت منشغلة بمهمة سياسية تجاه رئيس حكومتها، دخلت في نقاشٍ مع أستاذ الرياضيات، نقاشٍ لم يكن حول الأرقام والمعادلات، بل حول القانون والسياسة. وحين احتد النقاش، نهضت فجأة وأحضرت دفترًا قديمًا كانت تدون فيه دروسها وهي صغيرة، لتثبت له أن ما تقوله هو من أبجديات القانون التي تعلمتها منذ الصغر. وأن قرارها اتجاه رئيس حكومتها كان سليما، فنظر إليها الأستاذ وقال لها: يا سيدتي، لديك من العلم ما يكفيك لتحكمي، أنت لست مواطنة عادية تتعلم علمًا عاديًا، أنت ملكة، وقد تعلمت العلم المناسب لك لتكوني ملكة، ثم انصرف بعد الإستئذان.
هكذا هي تربية الملوك، تربية مختلفة تمامًا عن تربية المواطن العادي. تُصاغ عبر الطقوس والرموز، تبدأ منذ اليوم الأول من الولادة، وتتجلى في كل مناسبة رسمية، وفي كل قرارٍ يُتخذ، وفي كل مسؤوليةٍ تُعطى.
بهذا يُهيأ ولي العهد ليكون قائدًا جامعًا بين العلم والمعرفة، وبين الحكمة والتجربة، وبين القانون والسياسة، وبين الجيش والدبلوماسية، وبين اختيار الرجال المناسبين للمهام الكبرى وبين الإشراف المباشر على تنفيذها، بحيث يصبح مؤهلًا لأن يقود البلاد في المستقبل، وأن يكون امتدادًا طبيعيًا لمسيرة والده، وأن يحمل في شخصه الدولة بكل عمقها التاريخي وامتدادها الحضاري.
هذه هي تربية الملوك في المغرب تراكم لتجارب قرون من الحكم، جينات يتوارثها الابن عن والده، خلطة سحرية تُعطى بالتدريج، بحيث يتشربها ولي العهد في حركاته وسكناته، في نظراته وابتساماته، في طريقة مشيته، في أسلوب تحيته، في كيفية إصغائه للآخرين. وكأن التاريخ يتجسد فيه، وكأن قرونًا من الحكم المغربي تتحدث من خلاله، وكأن الأمة بأكملها تُطل من عينيه، وتبتسم من شفتيه، وتتحرك في خطواته، وتستمع في صمته.
التعليقات