شباب الغرب وعيد الشغل: قيمة العمل في ضوء الإسلام

1 مايو 2026

د. صلاح الدين المراكشي 

إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا 

يحتفل العالم في فاتح ماي بعيد الشغل، وهي مناسبة تُبرز قيمة العمل ودوره الأساسي في بناء الأفراد والمجتمعات. وفي الإسلام، يحتل العمل منزلة رفيعة، إذ دعا إليه وحثّ على السعي في طلب الرزق الحلال، وربط بينه وبين العبادة والمسؤولية. فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قدوة في العمل والكسب، حيث مارسوا مختلف المهن، كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية إتقان العمل في قوله: «رحم الله عبدًا عمل عملًا فأتقنه» رواه البيهقي، في شعب الإيمان، برقم : 5312 وصححه أهل العلم. كما سار الصحابة رضي الله عنهم على هذا النهج، فاشتغلوا بمهن متعددة طلبًا للرزق وصونًا للكرامة.

وقد جاء القرآن الكريم داعيًا إلى السعي في الأرض وطلب فضل الله، قال تعالى: ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) الملك الاية : 15. ولم يقتصر الإسلام على الحث على العمل في الظروف العادية، بل دعا إليه حتى في أصعب اللحظات، كما في قول النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم : «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها» {رواه البخاري في الأدب المفرد 1/126 وأحمد في مسنده، برقم : 12981}. وهو توجيه عظيم يؤكد أن العمل قيمة مستمرة لا ترتبط بزمان أو ظرف.

وفي المقابل، حذّر الإسلام من الكسل والاعتماد على الآخرين، وكان النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العجز والكسل، ويحث على الاستقلالية في قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس» { رواه البخاري في صحيحه، برقم : 1470}. كما عبّر بعض الصحابة عن أهمية الانشغال بالعمل، فقال عمر رضي الله عنه: “إذا علمت عن الشخص ألا عمل له سقط من عيني”، { انظر : النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ص : 370 } وقال ابن مسعود رضي الله عنه : “ إني لأكره الرجل فارغًا لا هو في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة” {انظر : كشف الخفاء ومزيل الإلباس، للعجلوني، 285/1} ويظهر من خلال النصوص الشرعية أن العمل عبادة إذا اقترن بالنية الصالحة، قال تعالى: ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) الجمعة الاية: 10 ولم يغِب دور المرأة عن هذا التصور، فقد شاركت في مجالات متعددة مع تحقيق التوازن بين الأسرة والعمل. فكانت خديجة رضي الله عنها تاجرة ناجحة، وعائشة رضي الله عنها عالمة، ورفيدة الأسلمية في الطب، مما يعكس شمولية الإسلام في تمكين الجميع.

أما في واقعنا المعاصر، وخصوصًا لدى بعض الشباب في الغرب، يبرز بشكل متكرر سؤال الدراسة والعمل والمستقبل. وكثيرًا ما يُعبّر البعض عن قلة الفرص، وهو أمر قد يرتبط في نظري باختلاف المناطق وظروف سوق الشغل من حيث العرض والطلب. غير أن الواقع يوضح أن الفرص قد تتفاوت بين الوجود والغياب، لكنها تبقى متاحة لمن يسعى إليها بجدّ واجتهاد، مع ما يتطلبه ذلك من صبر، ومتابعة مستمرة لسوق العمل، واعتماد منهج تدريجي في بناء المسار المهني. وفي هذا الإطار، يبدأ كثير من الشباب بأعمال أولية مثل العمل في المطاعم أو التوصيل أو المستودعات أو البناء، ثم يكتسبون مع مرور الوقت خبرة تؤهلهم للتدرج داخل هذه المهن، أو الانتقال إلى وظائف أفضل في نظرهم، أو حتى إنشاء مشاريعهم الخاصة.

ومن الأخطاء الشائعة لدى بعض الشباب اعتبار بعض الأعمال “دون المستوى”! أو الميل إلى البطالة في انتظار وظيفة مثالية تناسب طموحاته منذ البداية، في حين أن الإسلام يدعو إلى احترام كل عمل حلال، ويجعل الكسب باليد أفضل من السؤال والاعتماد على الغير. كما أن السعي وراء الربح السريع قد يدفع بعض الشباب إلى سلوك طرق غير مشروعة أو مخالفة للقانون أو مشبوهة، وهو مسار خطير تكون عاقبته الندم والخسارة. في المقابل، يقوم النجاح الحقيقي على الصبر والتدرج في بناء المسار المهني. فكم من شاب بدأ بعقد عمل مؤقت (CDD)، ثم انتقل إلى عقد دائم (CDI)، وتدرّج بعد ذلك في مساره المهني أو اتجه إلى تأسيس مشروعه الخاص، وكان ذلك كله نتيجة خطوة أولى مقرونة بالصبر والاستمرار. قال الله تعالى: ( واصبر وما صبرك إلا بالله) النحل الآية : 127.

وفي الواقع، نرى نماذج من شباب ناجحين في الغرب يوفقون بين الدراسة والعمل، ويتحملون مشاق الطريق، ويخططون لمستقبلهم بجدية، وهؤلاء هم من يصنعون الفارق الحقيقي. في المقابل، من يضيّع وقته في اللهو والكسل، أو يعتمد على المساعدات رغم قدرته على العمل، أو يختار البطالة انتظارًا لوظيفة يراها “مناسبة له” منذ البداية، ثم يشتكي من قلة الفرص، فإن المشكلة غالبًا لا تكون في الواقع بقدر ما هي في طريقة التفكير والمنهج المتبع.

نسأل الله تعالى أن ييسّر لنا العمل الصالح بنوعيه الدنيوي والأخروي، انه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...