هل تصدعت وحدة الخليج؟ قراءة في السلوك القطري والدور العماني خلال الحرب
سعيد الزياني ـ دين برييس
هناك حقيقة ميدانية لافتة يمكن أن تفتح بابا واسعا على التأويل، وهي أن قطر، منذ نحو أسبوع، لم تعد تتعرض لهجمات إيرانية مباشرة، وهو ما غذى تكهنات متعددة داخل المجالين الإعلامي والتحليلي، من بينها ما ذهب إليه بعض المعلقين إلى احتمال وجود تفاهم غير معلن، أو ما يشبه “صفقة سرية”، أفضى إلى تحييد نسبي للدوحة داخل مشهد الحرب الخليجية.
ورغم ما تمنحه هذه الفرضية من جاذبية على المستوى السياسي، فإنها لا تزال تفتقر إلى سند علني حاسم، ذلك أن المعطيات الموثقة تشير إلى أن قطر كانت قد تعرضت في وقت سابق لضربة مؤلمة في راس لفان، وأنها لم تكن منذ البداية خارج دائرة الاستهداف الإيراني، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت الدوحة قد تمكنت، بعد تلك الضربة الأولى، من تقليص مستوى تعرضها وإدارة المخاطر بصورة مغايرة لما شهدته عواصم خليجية أخرى.
وتكشف هذه الملاحظة، من منظور استراتيجي، أن جوهر المسألة يرتبط بطبيعة التموضع القطري داخل بنية الأزمة، لأن الدوحة تستضيف قاعدة العديد، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وهو ما يمنحها وزنا عملياتيا كبيرا في الحسابات الأمريكية، ويجعلها، في الوقت نفسه، أكثر قابلية لأن تتحول إلى هدف مباشر في أي رد إيراني واسع النطاق.
لكن الدوحة تحتفظ أيضا بوظيفة سياسية ودبلوماسية تمنحها وزنا خاصا في مسارات التهدئة والوساطة، وهو ما يجعل موقعها داخل الحرب محكوما بمعادلة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الحماية مع احتمالات الانكشاف، ويتقاطع فيها التحالف الأمني مع الدور السياسي، كما تتجاور فيها الحاجة إلى المظلة الأمريكية مع الحاجة إلى منع تحول هذه المظلة نفسها إلى مصدر تهديد مباشر للاستقرار الداخلي.
وتؤسس هذه الازدواجية لفرضية تفسيرية معقولة، مفادها أن الدوحة لا تتحرك في اتجاه إعادة تموضع جذري خارج المدار الأمريكي، وإنما في اتجاه إدارة دقيقة لمعادلة الانكشاف والردع، لأن الدول الصغيرة ذات الوزن الجيوستراتيجي المرتفع تميل إلى ضبط كلفة هذه التحالفات، ومنع تحولها من مصدر حماية إلى عبء وجودي.
ويصبح ممكنا تصور أن قطر سعت، عبر رسائل مباشرة أو غير مباشرة، إلى إيصال موقف مزدوج، مفاده أنها باقية داخل شراكتها الأمنية مع واشنطن، لكنها لا تريد أن تتحول إلى منصة مفتوحة لتوسيع الحرب.
كما يصبح ممكنا تصور أن طهران، من جهتها، رأت فائدة في عدم دفع الدوحة إلى موقع العدو الكامل، وفي الإبقاء على مساحة سياسية لا تزال قابلة للاستثمار في إدارة التهدئة أو في تبادل الرسائل، وتنسجم هذه القراءة مع تأكيد الخارجية القطرية استمرار التواصل الوثيق مع الولايات المتحدة من أجل خفض التصعيد، كما تنسجم مع سعي الدوحة بعد الضربات إلى تعزيز شراكتها الأمنية مع واشنطن، في سلوك يجمع بين تثبيت الحماية وتقليل الكلفة.
ويوضح هذا الاحتمال أن مفهوم “الصفقة السرية” لا ينبغي فهمه بالمعنى المباشر الضيق، أي اتفاق رسمي مكتوب ومعلن بين الدوحة وطهران، لأن بيئة الخليج تتحرك، في كثير من الأحيان، بمنطق التفاهمات العملية غير المعلنة، التي تقوم على تبادل الإشارات، ورسم الخطوط الحمراء، وتحديد حدود الاستخدام العسكري المقبول، من دون أن تمر عبر إعلان سياسي صريح.
وفي مثل هذه البيئات، قد يتبلور هذا “التحييد النسبي” نتيجة تفاهم ضمني على ضبط المصالح وحدود الاشتباك، ولذلك تنبع أهمية هذه الفرضية من قدرتها على كشف مستوى عال من البراغماتية في إدارة المخاطر، من جانب الدوحة الساعية إلى تقليص انكشافها، ومن جانب طهران التي قد تكون رأت أن فتح جبهة قطرية مفتوحة لا ينسجم، في هذه المرحلة، مع أولوياتها الاستراتيجية.
ويدفع السلوك القطري إلى محاولة فهم ما يجري داخل الخليج نفسه، لأن الحرب الراهنة تكشف أيضا تباينا في تعريفاتها للمصلحة الوطنية وأولوياتها الاستراتيجية، فهناك عواصم خليجية تميل إلى مقاربة ترى في هذه الحرب فرصة لإضعاف إيران على نحو بنيوي، أو لإعادة صياغة قواعد الردع الإقليمي بدرجة أعلى من الصرامة، كما عكسه الاستعداد الإماراتي للانضمام إلى قوة دولية تتولى إعادة فتح مضيق هرمز.
وعلى عكس من ذلك، تبدو قطر أقرب إلى مقاربة تقوم على احتواء الضرر، ومنع تمدد الحرب إلى داخل الجغرافيا الاقتصادية للدولة، والحفاظ على هامش للحركة السياسية.
وهذه الفوارق ليست تكتيكية فقط، لأن ما يختلف هنا هو تصور الغاية النهائية من الأزمة: هل المطلوب حسم جيوسياسي ممتد، أم المطلوب تجنب انهيار إقليمي شامل لا يملك أحد التحكم في نهاياته.
يمكن الإشارة إلى أن هذا التمايز ليس محصورا في الحالة القطرية وحدها، لأن سلطنة عمان تمثل منذ عقود نمطا خاصا في السلوك الخليجي، قائما على الوساطة، وتخفيف الاستقطاب، والحفاظ على قنوات الاتصال مع الخصوم.
وقد واصلت مسقط خلال عام 2026 أداء أدوار مرتبطة بالتواصل الأمريكي الإيراني، كما حافظت على خطاب أقل اندفاعا نحو منطق الحسم العسكري، وأكثر ميلا إلى إدارة الأسباب التي فجرت التصعيد.
وتظهر هذه الاستمرارية أن عمان تتحرك وفق منطق تقليل الفوضى الإقليمية، وحماية توازنها الداخلي، وصون موقعها بوصفها وسيطا موثوقا، زائد أن تقارير حديثة أشارت إلى أن مسقط تعمل مع إيران لضمان مرور آمن في مضيق هرمز، في لحظة كانت بعض العواصم الخليجية الأخرى تميل فيها إلى مقاربة أكثر صلابة.
وتجمع المقارنة بين قطر وعمان معطيات كافية للتأسيس لتحليل أوسع، مفاده أن الدول الأعضاء في مجلس التعاون لا تتفق بالدرجة نفسها على تعريف الخطر الإيراني، ولا على حدود الاعتماد على القوة الأمريكية، ولا على طبيعة النظام الإقليمي الذي ينبغي أن يولد بعد الحرب.
وهذا يعني أن ما يبدو على السطح تضامنا خليجيا عاما، يخفي في العمق تباينا متصاعدا في ترتيب الأولويات وتحديد الأهداف، إذ تضع بعض الدول ردع إيران في صدارة حساباتها، فيما تعطي دول أخرى الأولوية لحماية الاقتصاد والطاقة والمجال السيادي من ارتدادات الحرب، بينما تحرص أطراف أخرى، قبل كل شيء، على إبقاء المسار السياسي قائما وعدم إغلاق نوافذ التهدئة، وعندما تتعدد داخل المنظومة الواحدة تعريفات التهديد والنصر والكلفة، يتحول التمايز من مجرد اختلاف ظرفي إلى بنية قائمة.
وقد تتشكل الشروخ الفعلية داخل الأقاليم من خلال تباعد السلوك، واختلاف تقدير المخاطر، وتفاوت تعريف المصلحة تحت ضغط الحرب، وعند هذه النقطة تحديدا، يكتسب التمايز قيمة تفسيرية أعلى من الخطاب المعلن، لأن الانقسام الحقيقي يبدأ حين تتباين الحسابات الأمنية العميقة.
تنتهي هذه القراءة إلى خلاصة محددة، وهي أن غياب الاستهداف الإيراني المباشر لقطر طوال نحو أسبوع قد يثبت، في ذاته، وجود صفقة سرية، لكن الأهم أنه يوفر مدخلا واقعيا لفهم التحول الأعمق الجاري داخل الخليج.
إن السلوك القطري القائم على تقليص المخاطر، إلى جانب السلوك العماني المرتكز على الوساطة وتخفيف الاستقطاب، يكشفان أن وحدة الخليج في زمن الحرب أقل تماسكا مما توحي به اللغة الرسمية، ويفيدان بأن ما يتشكل اليوم هو إعادة فرز هادئة داخل الفضاء الخليجي، حيث تعيد كل دولة تعريف أمنها، ومصلحتها، وحدود انخراطها، على إيقاع حرب تدفع المنظومة بأكملها إلى مراجعة توازناتها من الداخل..
التعليقات