أنا لست خوارزمية.. أو البحث عن المعنى في عصر الذكاء الاصطناعي

18 مارس 2026

نجيب مجذوب

هل فكرتَ في لحظة ما أن تقضي سحابة يومك بعيدا عن هاتفك المحمول؟

هل قررتَ في يوم ما أن تحاول الامتناع مؤقتا عن استخدام منصات التواصل الاجتماعي والتوقف عن التفاعل اليومي من خلال إبداء إعجابك بمنشور هنا وتسجيل تعليق هناك؟

ستجد تحليلا قد يسهل عليك فهم تأثير الخوارزميات في عقولنا ونفوسنا، وأيضا بعض التوجيهات العملية التي قد تساعدك في تنفيذ ذلك وتحقيقه، وذلك عبر قراءة كتاب فرنسي صدر قبل شهر لصاحبه نيكولا هازار بعنوان (أنا لستُ خوارزمية: إيجاد المعنى في عصر الذكاء الاصطناعي).

في عصر منصات التواصل الاجتماعي، يرى الكاتب بأننا أصبحنا مدمنين أكثر فأكثر على استهلاك الملذات السريعة، وبذلك فقدنا البوصلة وفرَّطنا في ما يمكننا أن نضفيه من معنى على حيواتنا. تتدفق الأخبار علينا من كل حدب وصوب، وتطوقنا المعلومات من كل جانب، وتنهمر علينا الأكاذيب مثل السيل، وعوض أن يساعدنا ذلك في الفهم فإننا نشعر بالتيه والضياع أكثر فأكثر…

إن كلمة السر هي الخوارزمية، نسبة إلى مبتكرها في القرن التاسع الميلادي أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي. يؤكد الكاتب بأن التكنولوجيا مجرد أداة لا أقل ولا أكثر، وبالتالي فهي ليست ضارة وليست نافعة في حد ذاتها. والكل يتوقف على كيفية استخدامنا لتلك التكنولوجيا بمختلف ابتكاراتها. إن الحرية في ظل قهر الخوارزميات وإكراهاتها مجرد وهم. فالخوارزمية هي ما يحدد اختياراتنا، ويصوغ رغباتنا، وما ينبغي أن نستهلكه، وذلك من خلال تأثيرات لا نختارها وميكانزمات لا نتحكم فيها. يرى الكاتب بأننا اليوم مجرد قطيع من العبيد في مزرعة كبرى تتحكم فيها إقطاعية جديدة نساهم في أرباحها الطائلة، ونخدم رأسمالها وسياساتها دون أن نغنم شيئا صحيا ونافعا من ذلك سوى وهمنا بأننا نتمتع بالحرية والشهرة والنجومية.

إن الحرية الحقيقية كما جاء في صفحات الكتاب لا تعني أن نفعل ما نرغب فيه، بل أن نتحكم فيما نرغب فيه، وأن نضع ضوابط وحدودا لحريتنا. علينا أن ننشد السعادة، عوض المتع السريعة والعارضة (خمر، مخدرات، لعب، قمار، بورنوغرافيا، تسوق، موضة، منصات التواصل…) وهذا لا يعني أن نستغني عن الملذات وأن نتحرر منها، بقدر ما يعني أن نوظفها بذكاء في إضفاء معنى على حيواتنا (جمع حياة).

منصات التواصل الاجتماعي نفق مظلم، يحبس من يدخله في مصيدة لا تنتهي من الاستهلاك والتوتر والإدمان والانفعالات السلبية التي نظنها إيجابية لأول وهلة. لم تعد غاية الاستهلاك وظيفية، بل غدت قيمته رمزية واجتماعية تشعرنا بتميزنا عن الآخرين. فنحن لم نعد نشتري البضاعة فقط، بل ما ترمز إليه وما تمثله من تميز يرتبط بنزعة استهلاكية فجة ومدمرة. فأن نستهلك اليوم معناه أن نوجد اجتماعيا، كما ورد في الصفحة 31 من الكتاب.

إن التزحلق والتزلج والتدوير والتصفح مفردات تعبر عن الفعل الفرنسي scroller ذي الأصل الإنجليزي، الذي يحدد عادة أصبحت ملازمة لحياتنا اليومية من الصباح إلى غاية منتصف الليل.

إن كتاب (أنا لستُ خوارزمية) محاولة جادة لإيجاد المعنى في عصر الذكاء الاصطناعي، واسترجاع الذكاء البشري والطبيعي للإنسان عبر تخليصه من السطحية والتفاهة والحرية المزيفة.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...