تقرير أمريكي يكشف مأزق ترامب في الحرب على إيران

16 مارس 2026

بدأت دوائر القرار في واشنطن، مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثالث، تواجه سؤالا أكثر تعقيدا من سؤال الضربة الأولى: كيف يمكن إنهاء الحرب من دون التورط في مسار أطول وأثقل كلفة؟

هذا ما توقف عنده تقرير نشره أخيرا موقع “أكسيوس” تحت عنوان Behind the Curtain: Trump’s escalation trap، حيث قدم قراءة لما سماه مسؤولون أمريكيون “فخ التصعيد”، أي تلك الحالة التي يجد فيها الطرف الأقوى نفسه مضطرا إلى مواصلة رفع مستوى المواجهة لإثبات تفوقه، حتى حين تصبح المكاسب العسكرية أقل وضوحا وتزداد كلفة الاستمرار.

ويشير التقرير إلى أن المأزق لا يرتبط فقط بتطورات الميدان، بل أيضا بطبيعة أسلوب دونالد ترامب نفسه، فالرئيس الأمريكي، الذي اعتاد إدارة الأزمات بمنطق المفاجأة والضغط ثم تعديل المواقف أو التراجع عنها عندما تقتضي المصلحة، يواجه هذه المرة واقعا مختلفا.

فالحرب ليست عقوبات يمكن تعليقها أو رسوما جمركية يمكن سحبها بقرار سياسي سريع، بل مسار تصنعه أيضا ردود الخصم وتوازنات الحلفاء وحسابات الأسواق والبحار والممرات الاستراتيجية، ويبدو أن ما كان يُراد له أن يكون حملة قوية محددة الأجل بدأ يتحول إلى اختبار مفتوح يصعب ضبط نهاياته سياسيا واستراتيجيا.

وبحسب ما أورده “أكسيوس”، فإن الإدارة الأمريكية كانت تتوقع منذ البداية أن تمتد العملية العسكرية المكثفة بين أربعة وستة أسابيع، بما يجعل مطلع أبريل، وخصوصا الأول من الشهر، محطة حاسمة لتقييم النتائج وتحديد المسار التالي، إلا أن التقديرات داخل واشنطن، كما ينقل التقرير، لم تعد متفائلة بالوتيرة نفسها، إذ بات بعض المسؤولين وحلفاء الولايات المتحدة يميلون إلى أن الأزمة قد تستمر حتى شتنبر، حتى لو تحولت لاحقا إلى حرب منخفضة الشدة، وهذه النقطة بالذات تكشف أن الرهان على الحسم السريع بدأ يفقد صلابته، وأن الحسابات الأولى لم تعد كافية لفهم المسار الفعلي للحرب.

ويتعزز هذا التعقيد بسبب اختلاف تعريف “النصر” بين الأطراف المتحاربة، فإسرائيل تدفع في اتجاه تدمير عسكري واسع، وتبقي في الأفق هدفا أكبر يتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو فتح الباب أمام تغييره، أما إيران، فلا تحتاج إلى نصر كامل بالمعنى العسكري الكلاسيكي حتى تعلن أنها صمدت، لأن بقاء النظام وقدرته على مواصلة الرد وإلحاق الأذى بخصومه عسكريا أو اقتصاديا يكفيان لبناء سردية الصمود.

وبين الهدفين تقف دول أخرى يتركز هاجسها الأساسي في استمرار تدفق النفط وحرية الملاحة ومنع انفجار إقليمي أوسع، وهكذا تتحول الحرب إلى ساحة أهداف متناقضة، ما يجعل إعلان النهاية أكثر صعوبة من إعلان البداية.

ومن جهته يحتاج ترامب إلى نتائج استراتيجية واضحة ليقدم الحرب بوصفها نجاحا سياسيا وعسكريا، بينما يكفي طهران أن تبقى متماسكة وأن تواصل إرباك خصومها حتى تعتبر نفسها قد تجاوزت أخطر مراحل المواجهة، لذلك فإن التفوق الجوي أو حجم الدمار الذي لحق ببعض القدرات الإيرانية لا يحسم وحده معنى الانتصار، لأن الحرب في هذه الحالة تُقاس بما إذا كان الطرف الأقوى قادرا فعلا على فرض نهاية مستقرة لا تستدعي عودة جديدة إلى التصعيد.

ويكشف التقرير عن تململ داخل بعض دوائر الإدارة الأمريكية، التي ينتابها شعور بالقلق بعد بدء الحرب، رغم وجود تردد سابق لدى بعضهم قبل تنفيذ الهجوم، ويعني ذلك أن المأزق صار أيضا سياسيا داخل الفريق المحيط بترامب.

وعندما تبدأ الشكوك في الظهور داخل المعسكر الذي اتخذ القرار، تصبح إدارة الحرب أكثر تعقيدا، لأن استمرارها أصبح مرتبطا بقدرة البيت الأبيض على المحافظة على تماسكه الداخلي وعلى تسويق خياراته أمام الرأي العام والنخب الحليفة.

ومع ذلك، لا يقدم التقرير صورة انهيار أمريكي أو فشل مباشر، فهو يقر بأن العمليات العسكرية أفضت إلى نتائج ملموسة، وأن الهيمنة الجوية الأمريكية والإسرائيلية أحدثت ضررا واضحا في البنية العسكرية الإيرانية، لكن نجاح الضربات لا يجيب عن السؤال الأصعب: ما الخطة التي تحول التفوق العسكري إلى مخرج سياسي؟

وفي هذا الباب تتضح خطورة “فخ التصعيد”، لأن الانسحاب السريع قد يُفهم على أنه ترك الساحة مفتوحة أمام ردود إيرانية لاحقة، بينما قد يقود التصعيد الإضافي إلى حرب أطول وأوسع مما كانت تريده واشنطن في البداية.

وخلاصة ما يكشفه تقرير “أكسيوس” أن التحدي الحقيقي لم يعد في كيفية بدء الحرب، بل في كيفية الخروج منها من دون أن تتحول إلى عبء استراتيجي طويل، فالحروب، بخلاف الأزمات السياسية العادية، لا تسمح دائما لمن أطلقها بأن يرسم وحده خط النهاية.

ويكمن مأزق ترامب في النهاية أنه كلما طال أمد الحرب، ازداد الضغط لإثبات الحسم، وكلما ارتفع الضغط، اقتربت الإدارة أكثر من الوقوع الكامل في فخ التصعيد الذي حذر منه التقرير.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...