منتدى الإمام الأشعري بالأزهر يدعو إلى اعتماد مفهوم «أهل القبلة» أساسا لحماية السلم المجتمعي وتجفيف منابع التكفير
رشيد المباركي
أصدر المنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف بيانه الختامي، عقب اختتام فعالياته التي انعقدت أمس الثلاثاء 27 يناير 2026م، بمركز الأزهر للمؤتمرات بالقاهرة، برعاية فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبإشراف فضيلة أ.د. محمد عبد الرحمن الضويني، وكيل الأزهر، وبرئاسة فضيلة أ.د. حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء ومدير مركز الإمام الأشعري؛ حيث عرض البيان النتائج العلمية التي خلُصت إليها أعمال المنتدى، والتوصيات الصادرة عنه في ضوء المناقشات المتخصصة التي شهدها.
وأكدت نتائج المنتدى أن الإمام أبا الحسن الأشعري أسس مبكرا قواعد منهجية وأخلاقية راسخة لإدارة الخلاف العقدي، من خلال التمييز بين الأصول القطعية والظنية، والتفريق بين الخطأ في التأويل والكفر، بما يحفظ وحدة الأمة، ويصون الدماء والأموال، ويغلق أبواب الفتنة والتكفير. وبينت النتائج أن كتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» يمثل سبقا معرفيا رصينا في عرض آراء الفرق الإسلامية عرضا أمينا منضبطا بمصطلحاتها وسياقاتها، ومؤسسا لأخلاقيات علمية تقوم على الإنصاف، وتحرير محل النزاع، وتقديم الحقيقة على الانتصار المذهبي.
كما خلُص المنتدى إلى أن موقف الإمام الأشعري من التكفير أسهم في استئصال آثاره المجتمعية، ووضع ضوابط صارمة تحول دون تحويل الخلاف العقدي إلى أداة للتفجير المجتمعي والفوضى باسم الدين، مؤكدا أن إحياء التراث الأشعري لا يعني استدعاء الماضي، بل استلهام منهج موضوعي قابل للتوظيف في معالجة إشكالات الحاضر، ومواجهة خطاب الإقصاء والتشدد، وبناء خطاب كلامي معاصر يجيب عن الأسئلة الوجودية والفكرية للإنسان المعاصر، ويحصن الشباب من التطرف والانحراف.
وأبرزت نتائج المنتدى أن مفهوم «أهل القبلة» في الخطاب الأشعري شكل أساسا متينا لحماية السلم المجتمعي، إذ قرر الأشاعرة أن مناط الإيمان هو التصديق القلبي، وأن عصمة الدماء والأموال تتحقق بالنطق بالشهادتين، وهو ما جعل دائرة الإسلام رحبة، وأسهم في تحجيم النزعات الإقصائية التي غذت الفتن الطائفية عبر التاريخ.
وأكدت النتائج كذلك أن معالجة الأشاعرة لقضية الإمامة عكست وعيا بخطورة هذا الملف، حين قرروا أنها ليست من أصول الإيمان، بل من الفروع الفقهية والمصالح الموكولة لاجتهاد الأمة، وهو ما مثل صمام أمان تاريخيا حال دون تحويل الخلاف حولها إلى صراع عقدي يستبيح الدماء ويعمق الانقسام.
كما أثبت المنتدى أن تجربة الأزهر الشريف في التقريب بين المذاهب الإسلامية، منذ دار التقريب بالقاهرة وصولا إلى مبادرات فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، تمثل امتدادا عمليا للروح الأشعرية في التقريب بين المذاهب، وتقدم نموذجا واقعيا لإدارة الخلاف، يقوم على احترام التعددية المذهبية، وتغليب المشترك الإسلامي على الاختلاف.
وفي ضوء هذه النتائج، أوصى المنتدى بما يلي:
1. تداول مفهوم «أهل القبلة» كما قرره الأشاعرة في الخطاب الديني والإعلامي المعاصر، وبما يعزز ثقافة قبول الاختلاف، ويؤسس لخطاب إسلامي جامع، يواجه دعاوى الإقصاء، ويصون وحدة المجتمعات الإسلامية من الانقسام المذهبي والطائفي.
2. دعوة المؤسسات البحثية إلى إعادة كتابة تاريخ الفرق الإسلامية برؤية معاصرة تستلهم منهج الإمام الأشعري في «مقالات الإسلاميين»؛ بهدف تقديم عرض موضوعي لعقائد الفرق، والتفريق بين الأصول القطعية والاجتهادات النظرية، ليكون مرجعا للباحثين في مواجهة محاولات إثارة الفتن الطائفية والمذهبية.
3. دعوة الباحثين والمؤسسات البحثية إلى نقد أطروحات الإلحاد والتحرر والعدمية، وذلك لترسيخ وعي الأمة وشبابها بمخاطر التحديات الوجودية المشتركة التي تستهدف الجوهر الإيماني للجميع، دون تفريق بين مذهب وآخر، وبما يعزز وحدة الصف في مواجهة التيارات الفكرية الهادمة.
4. وجوب قصرِ دقائق المسائل الكلامية وتفاصيل النزاعات التاريخية على دوائر البحث العلمي المتخصص، والتحذير من توظيفها في شحن النفوس أو الصراعات الطائفية التي تستنزف مقدرات الأمة، ولا تخدم إلا أعداء استقرارها ووحدتها.
5. ضرورة تعزيز الوحدة الداخلية لأهل السنة، بما يشمل كافة أطيافهم من الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، مع تأكيد أن ترتيب البيت السني من الداخل يمثل شرطا أساسيا لإرساء قوة الأمة ومتانة خطابها.
6. فتح قنوات حوار دائمة مع الشباب لتحصينهم من التطرف الفكري، وتحقيق الوحدة المنشودة في مواجهة خطاب التشظي.
وفي ختام البيان، أكد المنتدى أن المدرسة السنية بكافة مذاهبها ومنهجياتها تتلاقى على مشروع الحوار البناء، ونبذ الإقصاء والتطرف، وترسيخ ثقافة الاعتدال والوسطية، بما يجعل الاختلاف الفقهي والاجتهادي رافدا للتنوع المعرفي لا أداة للتنازع، ويعزز القدرة على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة بالوحدة والإجماع.
كما تقدم مركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف بخالص الشكر والتقدير إلى فضيلة الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على رعايته الكريمة للمنتدى، وإلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني، وكيل الأزهر الشريف، على إشرافه ومتابعته لأعماله.
التعليقات