من ينكر حديث شرب أبْوَال الإبل للاستشفاء لا ينكره عن وعي وعقل

عبد السلام أجرير
7 أبريل 2014

عبد السلام أجرير
عبد السلام أجرير
من الأمور التي يُطَبِّل لها “العقلانيون” والعلمانيون ومنكرو السنة… مسألة شرب أبوال الإبل للاستشفاء، مدعين أن هذا مجانب للمنطق والعقل والفطرة، وأنه شيء مقزز ومقرف حاشا للشريعة أن تقرّه، وبالتالي فإن الحديث الذي فيه جواز الاستشفاء ببول النوق هو حديث مكذوب موضوع مختَلق، ولو كان في أصح الكتب الحديثية، بل في ورود مثله فيه دليل على أن السنة محرفة ومكذوبة، بل وأن الشريعة الإسلامية لا تعْد أن تكون إنتاجا بشريا وتشريعات ما أنزل الله بها من سلطان…إلى غير ذلك من الأحكام الجاهزة. وهذه هي حججهم: النظر العقلي، والفطرة، والمنطق…

وقبل الرد على هذه الشبهة وتوجيهها بردّ واحد فقط أراه كافيا، لا بد من إيراد الحديث الذي قامت حوله هذه الشوشرة. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا…»، الحديث.(1)

لا أريد هنا الدخول في النقاشات العلمية والمصطلحية الحديثية ونقل أقوال العلماء والسلف… لأن كل ذلك لا يقنع هؤلاء “العقلانيين” العلمانيين، وإنما ردي عليهم بصورة أخرى مشابهة لهذه التي يرونها غير منطقية، أو ربما أكثر منها غرابة؛ لأنهم يألفونها ويسلمون بها ولا ينتقدونها مع أنها أغرب من شرب بول الإبل. ليتضح لنا في النهاية أن انتقاداتهم مبنية على العادة والتعوّد في واقع الأمر، لا على المبنيات العقلية والمنطقية المجردة.

هذا الأمر الذي أرد به وأريد من “السادة” العقلانيين أن يتفكروا فيه ويجيبوننا عنه هو “الخمر العتيقة” و”الجبنة العَفِة”.

فمعلوم أن أفضل أنواع الخمور في العالم وأكثرها غلاء وأجودها قيمة هي الخمر المُعَتّقَة القديمة التي مرت عليها سنوات وعقود، حتى إننا نرى أن معارض بيع الخمور العالمية دائما ما يكشفون اللثام عن قنينات قديمة جدا، بعضها مر عليه أكثر من مائة سنة، تُباع بأسعار خيالية، يشتريها أثرى أثرياء العالم… سؤالي لهؤلاء العقلانيين الذين لا يشكون في أن الخمر المعتقة من أروع أنواع الخمور التي يتهافت عليها الأثرياء، كيف تفسرون تركيبة هذه الخمر كميائيا؟ أليست قيمتها في تعفنها وتخمّرها وطفوح الطفيليات عليها وقوة الجراثيم في تركيبتها؟ أليس كل ذلك سبب في جعلها أكثر قيمة عند عشّاقها؟ فلم لا تنكرون شربها إذن كما أنكرتم شرب أبوال الإبل التي جاءت في الحديث؟ مع أن أبوال الإبل قطعا أكثر نقاءا وصحة من هذه الخمر المتعفنة؛ لأن أبوال الإبل لا جراثيم فيها ولا تعفن، بل هي من تقتل الجراثيم والعفن والطفيليات كما أكده الطب الحديث.(2)

الشيء نفسه يتعلق بالجبنة العَفِنة، فأفضل أنواعها في العالم وأغلاها ثمنا هي الجبنة المتعفنة القديمة، ونعلم جميعا أن هناك نوع من الأجبان يُشترى والدُّود يعشعش فيه، وها هم أثرياء العالم يتهافتون على الجبنة السويسرية القديمة المتعفنة، فيطرحون عنها الدود ويأكلونها بشهيّة ونهم. فسؤالي لهؤلاء العلمانيين العقلانيين المنكرين لشرب أبوال الإبل من أجل الاستشفاء: هل أكْل جبنة متعفنة وكلها دود أفضل من شرب بول الإبل الذي كله مواد معقِّمة وطبية تقتل الجراثيم؟

وللمزيد من المعرفة عن تكوين الجبنة التي نتحدث عنها، فإنه بحسب مستشفى “مايو كلينيك العالمي” فإن الأجبان الناعمة وكل الأجبان المخصصة للدهن -التي تشتهر لدينا بشكلها المثلث أو المربع أو حتى في كؤوس وأكياس- تكون ضارة جداً لعفنها، وتحتوي على بكتيريا وأمراض عديدة. فأجبان “الشيدر” والسويسرية و”الكولبي”… لا ينبغي تناولها إلا بشرط إزالة العفن على مسافة سنتمتر واحد من حولها، حتى لا تضرّ.(3)

فهلا تفضلتم يا علماء العقل والمنطق بتفسير عقلي ومنطقي يجعلكم تنكرون شرب بول الإبل الصحي وتقبلون شرب الخمر المتعفنة وأكل الجبنة المتعفنة ذات الدود؟

طبعا ليس هناك إلا جواب واحد عن هذا الانفصام المعرفي، وهو أن الفهم والتعقل والمنطق لا يراه هؤلاء ضروريا إلا مع نصوص الوحي الكريم، أما مع غيره فكل شيء مقبول ومنطقي طالما قبله الأثرياء والمثقفون… وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بعادة غربية أوروبية متعلقة بثقافة الغرب التي يريدونها أن تكون ثقافة عالمية وكوْنيّة وسائدة ومهيمنة على جميع الثقافات، بدعوى العقل والمنطق…

وحال هؤلاء يصدق فيهم قول الشاعر ابن الرومي:

في زخرف القول ترجيحٌ لقائلهِ * والحقُّ قد يعتريه بعض تغييرِ
تقول: هذا مُجاجُ النحلِ تمدحُهُ * وإن تعِبْ قلت: ذا قَيْء الزنابيرِ
مدحاً وذمًا وما جاوزت وصفهما * سحر البيان يُري الظلماء كالنورِ

فبوْل الإبل عند هؤلاء العقلانيين ما هو إلا قيء الزنابير، ولكن الخمر والجبنة المتعفنين فهما عسل النحل !!

والحق أن العقل البشري لا يستطيع الحكم إلا على ما يدخل تحت الحواس الخمسة، فلا يمكن أن يتَعَقّل الأمور الخارجة عن الحواس. فعاد العقل في مصدر معرفته في النهاية إلى العادة والحواس، وليس هناك حكم عقلي مجرد عن الحواس والعادة والطبيعة أبدا.

ثم إننا نقول لهؤلاء المنتقدين: إن شُرب أبْوال الإبل لا شك أن القصد منه هو الاسْتشفاء، فهو دواء لداء، وليس شرابا للتمتع والتفكه، فلم يقل أحد من أهل الأرض إنه شراب مثله مثل اللبن أو العسل…

فمتى كان البشر يستعملون طبائعهم وأمزجتهم في تناول الأدوية؟ أوَلَيس جل الأدوية تعافها النفس؟ وبعضها مصنوع من السموم الخالصة التي إن أكلها الإنسان في أصلها مات من وقته؟ أوليس في دولة الهند وفي الدول التي تكثر فيها الأفاعي والعقارب… أشربة فيها سموم الأفاعي بمقدار معين تُعطى للرضّع والأطفال حتى تكون لهم حصانة منذ الصغر ضد لسعات الحشرات المسمومة؟

وانظروا إلى رمز “الصّيدية” فستجدونه أفعى ملتوية، فهل تساءلتم يوما ما علاقة الأدوية بالأفعى التي هي رمز الصيدية؟! إنها تعبر عن أن الأدوية ما هي إلا سموم فيها خطورة لا بد من الحذر منها وأخذها بمقياس معين.

فبول الإبل إذن لا يقل فائدة ومصداقية عن هذه السموم التي نتداوى بها جيمعا، فهو دواء، وليس عصيرا أو شرابا للتفكه.

فهذه دعوة إلى كل عقلاني رصين يحتكم فعلا إلى المنطق والعقل أن يكون منسجما مع فكره ومعقولا في أحكامه: فينكر كل ما خالف العقل كلية أو يسلم للوحي الصحيح كلية.

والله تعالى الهادي إلى الصواب.

هامش الإحالات ــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الوضوء: بَابُ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا، (رقم 233).

(2) عن صحية أبوال الأبل وفوائده الطبية يُرجى مراجعة البحوث الطبية التي قدمها العلماء في موقع الهيأة العامة للإعجاز على هذا الرابط: http://bit.ly/1lvNS6k

(3) هنا رابط المقال الأصلي بالإنجليزية: http://mayocl.in/1jmxlPE

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...