بمناسبة رحيل المغني وديع الصافي: هل يجوز الترحم والاستغفار للمسيحيين؟

عبد السلام أجرير
3 يناير 2014

عبد السلام أجرير
عبد السلام أجرير
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحيه. وبعد؛
الحكم العام للإسلام في الترحم على غير المسلم:
الشريعة الإسلامية في مسألة الدعاء لغير المسلمين تفرق بين مرحلة الحياة وبين مرحة الموت؛ فالكافر (ووصفه بالكفر أمر موضوعي ولا تهجم فيه ولا عنصرية ولا إرهاب… فهو طالما كافر بما عندي أنا المسلم فهو كافر في شريعتي، وأنا طالما كافر بما عنده هو المسيحي فأنا كافر في نظره هو كمسيحي، فالكفر هنا صفة اضطرارية وليست اختيارية، ولا علاقة لها بالحرب أو السلم…).
قلت فطالما هذا الكافر على قيد الحياة يجوز الدعاء له بالهداية والصلاح والإسلام. فإذا مات ولم نعلم إسلامه، فلا نترحم عليه أبدا، ولكن لا نلعنه بالتعيين أيضا؛ لأنه قد يكون ممن ختم الله لهم بالإسلام ولا نعلم ذلك، فوجب الكف عن كل من مات ولم نعلم إسلامه؛ فلا نترحم عليه ولا نلعنه بالتعيين، ومنهم هذا المغني النصراني المشهور. أما من أراد ولا بد أن يدعو عليه لحاجة في نفسه فليقل في دعائه: ((عليه من الله ما يستحق))، ومثل هذا، وهو دعاء عام وشامل وليس فيه لعن ولا رحمة.
ولكن قد استثى العلماء من هذه القاعدة من تحقق لنا موته على الكفر بالوحي (ولا يكون التحقق إلا بالوحي) كفرعون وأبي لهب وزوجته وأبي جهل وأمثالهم ممن تيقنّا موتهم على الكفر، فنتقرب إلى الله تعالى بلعنهم ولا حرج؛ لأن الوحي لعنهم.
قال تعالى في حق فرعون وقومه في سورة هود: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِيسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ}. وقال تعالى في حق أبي لهب وزوجه أم جميل في سورة المسد: {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامراته حمالةُ الحطب في جيدها حبل من مسد}. فقوله تعالى: {تبت يدا…} هي صيغة من صيغ الدعاء على الإنسان، فيجوز القول مثل ما قال القرآن. ولكن لا يجب وجوبا شرعيا لعن من تحققنا كفره بعد موته، وإنما من أراد ذلك جاز له، ومن امتنع فله ذلك ولا شيء عليه.
التأصيل لحِرمة الترحم على الكافر:
والأصل في حِرمة الدعاء للكفار والاستغفار لهم أيات وأحاديث كثيرة أشهرها قوله تعالى في سورة التوبة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيء وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ الْجَحِيم}. فهذا أصل عامّ وكاف في المعنى. ويُنظر في تفسير الآية لمن أراد المزيد حولها.
ومن كلام السادة العلماء المالكية في هذا الباب:
1- قال الإمام ابن رشد الجد المالكي في كتابه “البيان والتحصيل” – وهو يستدل لجواز عزاء المسلم في والده الكافر، ويقرر أن تعزية المسلم في قريبه الكافر لا يدخل في المنع- قال: ((وليس تحظير الدعاء للميت الكافر، والترحم عليه، والاستغفار له، لقوله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيء وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى…} الآية… بالذي يمنع من تعزية ابنه المسلم بمصابه به))(1).
2- وجاء في كتاب “الرسالة” لابن أبي زيد القيرواني المالكي: ((وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ))(2)، هكذا بتقييد الاستغفار للمؤمنين.
3- قال شارح “الرسالة” الشيخ النفراوي في كتابه “الفواكه الدواني”: ((وَمَفْهُومُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِآيَةِ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الْآيَةَ… فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حرْمَةَ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَلَوْ لِلْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ خِلَافٌ فِي اسْتِغْفَارِهِ لِلْأَبَوَيْنِ حَالَ حَيَاتِهِمَا إذْ قَدْ يُسْلِمَانِ))(3).
4- وسبب نزول هذه الآية مشهور، فقد نزلت في أبي طالب عم النبي عليه السلام وفي أقارب المسلمين من المشركين. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه ((عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: «أَيْ عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالاَ يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: “عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ”. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ»، فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيء وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ}  وَنَزَلَتْ: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ…}))(4).
ولا فرق بين المشرك والكتابي في مسألة الكفر والإيمان، فقد قال تعالى في حق النصارى في سورة المائدة: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}، وقال سبحانه في نفس السورة: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم}، وقال عز من قائل في سورة البينة: {إن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها}. ولفظ “مِن” في هذه الآية بياني وليس تبعيضي كما نبه عليه الطبري في تفسيره وغيره، وسيأتي تفصيل ذلك.
وإنما الله تعالى خص أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من مجموع الكفار والمشركين بأحكام خاصة تتعلق بالأطعمة والذبائح والزواج فقط، أما غير ذلك فهم سواء مع غيرهم فيها، منها مسألة الاستغفار والترحم هذه.
فهل عم النبي عليه السلام أبو طالب -خفّفَ الله عنه ما نزل بساحته- أبعدُ عن الرحمة والاستغفار من وديع الصافي وغيره من المسيحين؟ ونحن  نعلم ما قام به أبو طالب من خدمات عظيمة للإسلام؟ وما قدمه للنبي وللدعوة الإسلامية الشيء الكثير حتى قال بعض العلماء إنه قد أسلم بقلبه وكفر بلسانه، بل وذهب بعض الشيعة إلى أنه أسلم في آخر عمره، وما ذلك إلا لشدة ما دافع عن النبيء ودوعوته. ولكن مع ذلك نُهي عليه السلام بأن يستغفر له كما رأينا؛ لأنه لم يقل كلمة الإسلام وهي الشهادة.
هل هناك فرق بين الكتابيّ والمشرك؟ وهل أهل الكتاب كلهم سواء أم فيهم من مدحهم الله؟:
إنه لا فرق بين الكتابي والمشرك في مسألة الترحم والاستغفار، وهذه من الأمور المجمع عليها. وإنما الفرق كما ذكرنا في بعض الأحكام المتعلقة بالمعاملات الدنيوية ولا علاقة لها بالأمور الأخروية.
ولكن بعض الناس يقول إن أهل الكتاب ليسوا سواء، بل فيهم المؤمن الموحد، وفيهم الكافر، ولذلك نترحم على مؤمنهم. وهذه مسالة غير صحيحة، فمن آمن منهم صار مسلما، فنحن نترحم عليه لأنه مسلم لا أنه مسيحي، ومن بقي على كفره فهو كافر ولو كان موحدا للجهة كاليهودي؛ لأنه كافر بالإسلام وتعليماته جملة وتفصيلا.
فالذين آمنوا منهم بالإسلام هم من قصدهم الله تعالى بقوله: {ليسوا سواء}، وسوف نفصل في هذه الآية قريبا إن شاء الله. وكذلك مثل هذه الآية قوله تعالى في سورة المائدة: {ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى…}، فلم يمدحهم الله تعالى إلا لأنهم كما قال تعالى بعد ذلك مباشرة: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين}، وهذا ما وقع مع النجاشي وقساوسته الذين أسلموا عند سماع القرآن، فهل هذا المغني النصراني وغيره من النصارى هذه صفتهم حتى نقول فيهم إنهم ممدوحون فيجوز الترحم عليهم؟
إن أي رجل على وجه الأرض إذا وصلته رسالة الإسلام وفهمها وعرفها وأدرك حججها ثم تجاهلها وأعرض عنها بغير إكراه ولا تأوّل، وإنما من باب المعاندة والمكابرة والتشبث بالعادات والتقاليد وما عليه الأسلاف… فهذا كافر لا أمان له يوم القيامة، ومن لم تصله رسالة الإسلام أو وصلته مشوشة غير واضحة كما في زماننا هذا فالذي أحسبه أن هؤلاء داخلون في لطف الله تعالى وداخلون في “أهل الفترة” وإن جاءوا بعد الإسلام؛ لأن العبرة بإقامة الحجة عليهم، ولا تُقام عليهم إلا بالدليل الكافي ووصولها إليهم واضحة صافة، وهذا في الغالب لا يحصل في وقتنا، ومن وصله الإسلام كما هو في الغالب اعتنقه.
وأهل الفترة أصح الأقوال فيهم أن أمرهم إلى الله، وهو أعلم بهم وبمصيرهم، دون أن نخوض في أمرهم(5).
ولن يجد الباحث قولا واحدا لعالم من علماء الأمة أجاز الترحم على أهل الكتاب بعد موتهم على ديانتهم. ونعلم مسألة الإجماع وقوتها، وهؤلاء العلماء الذين نقدمهم لإجماعهم هنا هم الذين نتعبّد الله تعالى بأقوالهم في الصلاة والزكاة والحج… فلا يحسن بنا أن نأخذ عنهم الشرائع ثم نرد أقوالهم في الأمور الأخرى.
ثم إذا كان المرتد المنكر للصلاة وجاحدا لها كافرا بالإجماع من علماء الإسلام لجحوده هذا الفرض الواحد، فكيف لا يُكفّر من جحد وأنكر الإسلام من الأصل؟
فقد روى مسلم في صحيحه عن  جَابِر، قال: ((سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ»))(6). والحديث فيه جمع بين الشرك والكفر من باب التفصيل والتأكيد، وإلا فالكفر أعم من الشرك؛ لأن الكفر يدخل فيه ما عدا الإسلام، والشرك خاص بأهل الأوثان.
فإذا كان تارك الصلاة جحودا كافرا فكيف بمن أنكر كل شرائع الإسلام من اليهود والنصارى؟
ومزيدا من التوثيق والاستدلال بكلام العلماء في أنه لا فرق بين المشرك وأهل الكتاب في الأمور الأخروية وأنهم كلهم كفار، أنقل هنا تفسير الإمام الطاهر بن عاشور وهو الخبير في أديان أهل الكتاب وما كان من أمرهم في القديم والحديث، يقول في تفسر سورة البينة وخاصة عند قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن اهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيئةِ}، قال:
((بَعْدَ أَنْ أَنحى عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مَعًا ثُمَّ خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالطَّعْنِ فِي تَعَلُّلَاتِهِمْ وَالْإِبْطَالِ لِشُبُهَاتِهِمُ الَّتِي يُتَابِعُهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا، أَعْقَبَهُ بِوَعِيدِ الْفَرِيقَيْنِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا كَمَا ابْتَدَأَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَالدَّلَالَةِ كَافٍ فِي تَدْلِيلِ أَنْفُسِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ.
… وَقَدَّمَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي الْوَعِيدِ اسْتِتْبَاعًا لِتَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي سَبَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَلِأَنَّ مُعْظَمَ الرَّدِّ كَانَ مُوَجَّهًا إِلَى أَحْوَالهم من قَوْلِهِ: {وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ} إِلَى قَوْلِهِ: {دِينُ الْقَيِّمَةِ}، وَلِأَنَّهُ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ.
و”مِنْ” بَيَانِيَّةٌ مِثْلَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن اهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ}. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ “إِنَّ” لِلرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، فَإِنَّ الظَّرْفِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْهَا “فِي” تُفِيدُ أَنَّهُمْ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْهَا، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {خالِدِينَ فِيها}. وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَقَدْ أَنْكَرُوا الْجَزَاءَ رَأْسًا…
وَجُمْلَةُ: {أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيئة} كَالنَّتِيجَةِ لِكَوْنِهِمْ {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}… وَإِنَّمَا كَانُوا كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا بَعْدَ تَلَبُّسِهِمْ بِأَسْبَابِ الْهُدَى، فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلِأَنَّ لَدَيْهِمْ كِتَابًا فِيهِ هُدًى وَنُورٌ فَعَدَلُوا عَنْهُ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ فَأَدْخَلُوا فِيهَا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ ثُمَّ إِنَّهُمْ أَصَرُّوا عَلَى دِينِهِمْ بَعْدَ مَا شَاهَدُوا مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الْإِعْجَازِ وَالْإِنْبَاءِ بِمَا فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَقَدِ اجْتَنَوْا لِأَنْفُسِهِمُ الشَّرَّ مِنْ حَيْثُ كَانُوا أَهْلًا لِنَوَالِ الْخَيْرِ فَحَسْرَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ مِنْ حَسْرَةِ مَنْ عَدَاهُمْ فَكَانَ الْفَرِيقَانِ شَرًّا مِنَ الْوَثَنِيِّينَ وَالزَّنَادِقَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لَا فِيمَا يُرْجَى مِنْهُمْ مِنَ الِاقْتِرَابِ))(7).
هل حقا أن أهل الكتاب ليسوا سواء؟ وما معنى ذلك؟
أما دعوى أن أهل الكتاب فيهم الطيب وفيهم الخبيث، وقد حكم القرآن بنفسه عليهم وفرق في نوعهم، فقال تعالى: {ليسوا سواء}، فأحب أن أجيب عن هذه الشبهة بما في تفسير الآية الكريمة من تفسير شيخ المفسرين الإمام الطبري الذي جمع زبدة التفاسير مع ترجيحه للمعنى الصواب عند الاختلاف.
ولا نستطيع فهم تراثنا إلا من خلال هؤلاء الرجال، كما لا نستطيع لا ويستطيع النصارى اليوم فهم تاريخ الكنيسة إلا من خلال رجالها وآباء الكنيسة أنفسهم، فلا مفر من الرجوع إلى التفسير لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ ومعاني الكلمات العربية الفصيحة الجزلة… وبعد ذلك نأخذ ما نراه أقرب إلى الصواب، أما تجاوز التفاسير جملة وتفصيلا ومحاولة فهم القرآن مباشرة فلا نعلم أحدا على وجه الأرض يستطيع ذلك مباشرة بدون واسطة، وعربيتنا لا تأهلنا لفهم كلام الله تعالى على الحقيقة، بل وبفهوم العلماء وعلوم الآلة ومع ذلك يبقى فهمنا قاصرا.
وبالرجوع إلى تفسير هذه الآيات نجد العلماء يتحدثون عن أهل الكتاب في فترة نزول الوحي أنهم قد انقسموا قسمين: فمنهم من آمن بالنبي عليه السلام وبما جاء به، فكان مدحهم بهذه الآيات من سورة آل عمران {ليسوا سواء…} وبآيات سورة الأنعام: {ولتجدن أقربهم مودة…} وغيرها من الآيات، فمنهم عبد الله بن سلام اليهودي المسلم، والنجاشي النصراني المسلم… واعتبارهم من أهل الكتاب في الخطاب هو اعتبار ما كان؛ أما هم في الحقيقة مسلمون إذْ دخلوا في النهاية إلى الإسلام.
أما الفرقة الأخرى التي لم تُسلِم بعد أن وصلها الإسلام وعاندت فلا علاقة لها بهذا المدح، ولكنهم أيضا في الكفر ليسوا سواء، فمن قضى كل عمره في خدمة الناس ليس كمن قضاه في قتلهم، فهذه الأمور مدركة بالعقل قبل الشرع، والنار أيضا دركات كما أن الجنة درجات. ولكن على كل حال من لم يُسلم منهم صراحة بعدما وصوله الإسلام فهو كافر في الجملة.
وقد استشكل بعض الناس في زمان النبوة أن يكون من لم يؤمن بالإسلام وهو طيب خيّر من أهل انار، فقال تعالى في هذا الصنف الطيب منهم جوابا على استشكالاتهم واستشكالاتنا: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْاخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت اَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤا}. [أواخر سورة الكهف].
فلذلك نقول إن الله تعالى يفعل في ملكه ما يشاء، ورحمته سبقت غضبه، وعفوه سبق عقابه، ولطفه محيط بالناس أجميعين، ولكن لا نحدد نحن من يذهب إلى النار أو إلى الجنة إلا وفق ما أخبر به تعالى أو نبيه المعصوم، فمن أخبرنا الوحي أنه من أهل الجنة ترحمنا عليه، ومن دخل في زمرة المسلمين كذلك ترحمنا عليه جملة دون أن نقطع أنه من أهل الجنة إلا بالوحي، أما من مات ولم يُسلم فنترك أمره إلى الله تعالى فلا نترحم عليه ولا نلعنه وسواء في ذلك شارون وإسحاق شمير وهتلر ويوحنا بولس الثاني والأم تيريزا…
ومن قال نترحم على طيبهم طولب بالدليل، ومن قال نلعن طاغيتهم بالتعيين بعد موته طولب بالدليل، وإن كان الدليل الإجمالي في اللعن أقرب في الصواب لأنهم كفار، والكفر ملعون في الجملة، ولكن لا نقول به في حالة التعيين.
وقبل سوْق قول الطبري في المسألة أسوق الآيات كلها حتى ننظر إلى معانيها مجتمعة وحتى لا نغفل السياق، قال تعالى في سورة آل عمران:
{وَلَوَ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُومِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمُ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْادْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْانْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ لَيْسُوا سَوَاءً مِن اَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}. صدق الله العظيم.
جاء في تفسير الآية من تفسير الإمام الطبري رحمه الله:
((يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {لَيْسُوا سَوَاءً}: لَيْسَ فَرِيقَا أَهْلِ الْكِتَابِ، أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَالْكُفْرِ سَوَاءً، يَعْنِي بِذَلِكَ: أَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَسَاوِينَ، يَقُولُ: لَيْسُوا مُتَعَادِلِينَ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَإِنَّمَا قِيلَ: لَيْسُوا سَوَاءً؛ لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}، ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُهُ عَنْ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ، عِنْدَهُ، الْمُؤْمِنَةِ مِنْهُمَا وَالْكَافِرَةِ، فَقَالَ: {لَيْسُوا سَوَاءً} أَيْ لَيْسَ هَؤُلَاءِ سَوَاءً، الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ.
ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ جَلَّ ثناؤُهُ عَنْ صِفَةِ الْفِرْقَةِ الْمُؤْمِنَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَدَحَهُمْ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بَعْدَمَا وَصَفَ الْفِرْقَةَ الْفَاسِقَةَ مِنْهُمْ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنَ الْهَلَعِ وَنَخْبِ الْجَنَانِ، وَمُحَالَفَةِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَمُلَازَمَةِ الْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَتَحَمُّلِ خِزْيِ الدُّنْيَا وَفَضِيَحِةِ الْآخِرَةِ، فَقَالَ: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}…
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ…. [ثم ذكر الإمام الطبري جملة من الأخبار مسندة في هذا المعنى منها هذا الخبر]:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: “لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ وَمَنَحُوا فِيهِ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْكُفْرِ مِنْهُمْ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا تَبِعَهُ إِلَّا أَشْرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ، وَذَهَبُوا إِلَى غَيْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ}، إِلَى قَوْلِهِ: {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}…
وَقَالَ آخَرُونَ [من المفسرين]: مَعْنَى ذَلِكَ: لَيْسَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَمَةُ مُحَمَّدٍ الْقَائِمَةُ بِحَقِّ اللَّهِ سَوَاءً عِنْدَ اللَّهِ…
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} قَالَ: «لَا يَسْتَوِي أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»…
[قال الطبري]: وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: قَدْ تَمَّتِ الْقِصَّةُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {لَيْسُوا سَوَاءً} عَنْ إِخْبَارِ اللَّهِ بِأَمْرِ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنْ مَدْحِ مُؤْمِنِيهِمْ، وَوَصْفِهِمْ بِصِفَتِهِمْ، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَيَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ}  جَمَاعَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَى الْحَقِّ…
وَ… مَعْنَى قَوْلِهِ: {قَائِمَةٌ} مُسْتَقِيمَةٌ عَلَى الْهُدَى، وَكِتَابِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ، وَشَرَائِعِ دِينِهِ، بِالْعَدْلِ وَالطَّاعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ مِنْ صِفَةِ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً… ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا»، فَالْقَائِمُ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ هُوَ الثَّابِتُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ جَمَاعَةٌ مُعْتَصِمَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، مُتَمَسِّكَةٌ بِهِ، ثَابِتَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ وَمَا سَنَّ لَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))(8).
فهذه زبدة ما في التفاسير التي جمعها الطبري من التابعين والصحابة في معنى الآية، وليس فيها مدح لأهل الكتاب المستمرين على الكفر، وإنما هو مدح لمن أسلم منهم واتبع الحق بعدما جاءهم، فكيف يكون المدح لمن أعرض عن الحق وعاند فيه؟ والإسلام دين موسى وعيسى وجميع الأنبياء، وقد جاء مصدقا لما بين يديهم ومصححا لما وقع فيه أهل الكتاب من أخطاء وانحراف في العقيدة والشريعة؟ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به؟ فمثل هؤلاء لا يستحقون المدح، بل يستحقون اللعن كما قال تعالى في سورة البقرة: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}.
خاتمة:
وختاما أقول: لا بد من الفصل في هذا الباب بين من أقيمت عليه الحجة والبيان كالأحبار والرهبان والقساوسة المطلعين على دين الإسلام، وبين من لم يصله الإسلام أو سمع عنه دون أن يعرف حقيقته أو وصله مشوشا بأنه إرهاب أو عنف أو سحر…
فالأولون لا عذر لهم كأقباط مصر ومسيحيي الدول العربية خاصة منهم هذا المغني الراحل، حيث يستيقظون على سماع القرآن ومخالطة المسلمين وقراءة الكتب العربية ويبيتون على ذلك، وكذلك كبراء رجال الدين في الغرب الذين يعرفون عن الإسلام الشيء الكثير، فهؤلاء لا عذر لهم قطعا.
أما غيرهم من العوامّ ممن لا يعرف شيئا عن الإسلام أو يعرف ولكن معرفة مشوشة فأنا أميل إلى القول بأنهم يدخلون في عموم “أهل الفترة”، وأهل الفترة أصح الأقوال فيهم -كما قلنا- أن أمرهم إلى الله تعالى؛ فلا نحكم عليهم بأنهم في النار ولا في الجنة، ولكنهم داخلون في عموم الكفار من حيث التصنيف والإسم.
والله تعالى أعلم بمراده من خلقه والصواب من أمره.
نسأله تعالى ألا يجعلنا ممن تزل قدمه في هذه الأمور الخطيرة الجليلة، آمين.
ـــــــ هامش الإحالات ــــــــ
(1) نسخة الشاملة: [2/211]
(2)  نسخة الشاملة: [1/153].
(3)  نسخة الشاملة: [2/290].
(4)  نسخة الشاملة [5/52].
(5) يُراجع في هذا المعنى كتب العقيدة مثل “الملل والنحل” للشهرستاني و”الاعتصام” للشاطبي.
(6)   صحيح مسلم، نسخة الشاملة: [1/88]
(7) تفسر ابن عاشور، نسخة الشاملة، تفسيره لسورة البينة.
(8) تفسير الطبري، نسخة الشاملة: [5/689].

{jathumbnail off}

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...