الرأي الشرعي فيما يقع في مصر.. لقد أخطأ الجيش والإخوان والأزهر


وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وصحبه أجمعين،
يقول الله عز وجل عن فرعون وجنوده: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يَرْجِعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ).
يصف الله تعالى في هذه الآية القيادة المصرية وجيشها منذ آلاف السنين، فرعون وجنوده، ولم يذكر شعب مصر، فهو يصف سبحانه قيادة مصر، فرعون ومن كان معه، هامان وقارون وجنودهم، أنهم كانوا مفسدين في الأرض، وكانوا طغاة وكانوا ظالمين، واستوجبوا النار.
وقال في آخر الآية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، طبعا، الكلام هنا عن أجيالهم اللاحقة، وعن ذريتهم، ﻷن جند فرعون دخلوا النار كلهم، ولكن من يأتي بعدهم من أمثالهم من الجنود والقيادات جعلهم الله دعاة إلى النار، (أئمة إلى النار) بسلوكهم وباستبدادهم وبطغيانهم، والذي وقع في مصر يندرج في هذا السياق.
فمصر حكمها العسكر منذ ستين (60) سنة، ولم يرى الشعب المصري من العسكر إلا الويلات والنكبات العظيمة، وأنا كنت أقول دائما ولا زلت أقول إن الحركات الإسلامية في العالم العربي أو الإسلامي ليس من الحكمة أن تسعى إلى مواقع الحكم، ﻷنها إذا وصلت إلى مواقع الحكم لن تستطيع أن تخدم شعوبها، أو تقدم لها شيئا، لعدة أسباب، أسباب سياسية وأسباب ذاتية من الحركات نفسها، وهذا شيء يطول تفصيله.
المهم هو أن الواقع شاهد على هذه الحقيقة، فنحن نرى الحركات الإسلامية، حين وصلت إلى الحكم في مصر وفي تونس وغيرهما لم تستقر أوضاعهم، حتى الاستقرار لم تستطع تحقيقه في هذه البلاد، فقد مضت سنتان على قيام هذه الثورات ولا زالت هذه البلاد تعرف بلابل وتعرف اضطرابات سياسية واجتماعية، وهذا من بركة الحركات الإسلامية لأنه ليس من مصلحتها أن تكون الآن في مواقع الحكم، يكفيها أن تقف عند مواقع التشريع – البرلمان، المجالس الجماعية – هذه المواقع يمكن أن تقدم فيها وتنتج وتخدم الشعوب، أما ما بعد ذلك من المواقع فستبوؤ بالفشل، والمشكلة هنا ان فشلها سينعكس على الإسلام نفسه، عامة الناس ينظرون إلى فشلها على انه من فشل الإسلام وأن الإسلام غير صالح لسياسة الدول في هذا العصر، لهذا نقول دائما أنه حفاظا على سمعة الإسلام وعلى قناعات المسلمين لا يجوز ولا ينبغي للحركات الإسلامية أن تتبوأ مواقع الحكم ولا أن تسعى إليه.
والآن وقعت الأحداث ووقعت البلابل والاضطرابات في مصر كما في تونس، نحن الآن ننطلق من منطلقات شرعية، فنحكم على ما يجري في مصر، فالفرق المتناحرة كلها أخطأت، أخطأ الرئيس مرسي في سياسته كما ذكر عنه الملاحظون والمراقبون وبهذه الأخطاء برر الجيش دخوله إلى الموضوع وسحب الرئيس وقلب أوضاع البلاد، ولكن هذه الأخطاء من منطلق شرعي لا تبرر إسقاط مرسي ولا سيما أن الشعب المصري على مدى ستين عاما من حكم العسكر جلب عليه هذا الأخير بلايا وأخطاء فادحة ومع ذلك لم يتحرك الشعب المصري.
فبدأ من عبد الناصر الذي جلب الهزيمة النكراء على مصر ومع ذلك ظل في الحكم إلى أن مات في الحكم، وإن حاول ان يثبت نفسه بتلك المسرحية: الاستقالة والعودة إلى صفوف الشعوب، ولكنها كانت مسرحية مكشوفة، الغاية منها أن يتشبت بالحكم ويركز قدميه في موقعه، فمات عبد الناصر في الحكم ولم تقم عليه أي ثورة.
جاء السادات فأعطى الشرعية للهزيمة التي جلبها عبد الناصر، وذلك بذهابه إلى إسرائيل واعترافه بها، حتى قاطعته الدول العربية كلها، وهذا الأمر اتخذه أنور السادات من تلقاء نفسه، مع ان الواجب كان يقضي على الأقل أن يجري استفتاء شعبيا، هل يقدم على هذا الموقف أم لا؟ ولكنه أقدم على هذا الموقف وصحح الوضع كما يقولون مع إسرائيل، رغم أن الشعب المصري كله لم يقبل التعامل مع إسرائيل، وإلى الآن لا زال الشعب المصري يرفض إسرائيل، ولكن أنور السادات اعترف بها وطلع معها العلاقات، ومع ذلك لم يتحرك الشعب المصري للثورة عليه، وبقي في الحكم حتى قتل فيه. جاء بعده مبارك أيضا من سلسلة العسكر، فظل في الحكم ثلاثين سنة، عاث فيها في الأرض فسادا وباطلا ما هو معروف عند الشعب المصري، حتى قارب أن ينتهي أجله وأن يموت تحرك الشعب ﻷنه ضاق ذرعا بسلوك هذا الرئيس بعد ثلاثين سنة،.
لما جاء محمد مرسي، وهو على كل حال رجل نزيه ورجل مستقيم جاء عبر انتخابات نزيهة باعتراف العالم، قامت الثورة في وجهه بعد انتخابه انتخابا صحيحا لأخطاء قالوا إنه وقع فيها زهنا كان الواجب بما يقضي به الواجب وتقضي به الديمقراطية والقوانين الدولية أن الرئيس له مدة معلومة وهنا مرسي له أربع سنوات، هذه المدة – 4 سنوات – الغاية منها إذا فشل الرئيس في سياسته أنه يعزل من الحكم ويترشح غيره.
أما الآن فقدد نزل مرسي من الحكم بهذه الثورة التي قامت عليه في 30 يونيو وصار المحللون والسياسيون، الذين هم أنصار هذه الثورة وأنصار الانقلاب، يقولون أن هذذه شرعية، يعنون أن الشعب رفض مرسي، لكن الواقع أن وراء هذا خصوم الإسلاميين، وهذا من الأسباب التي قلنا أنه لا يساعد الإسلاميين من الوصول إلى الحكم، الإسلاميون عندهم خصوم، وربما خصومهم أكثر من أنصارهم، فخصومهم حركوا الشعب حركوا الجمهور، فكانت النتيجة بمساعدة العسكر، أن سقط مرسي.
وهذا المنطق غير مقبول، لا شرعا ولا ديمقراطية، أي أن الرئيس إذا انتخب انتخابا شرعيا صحيحا فلا مجال لخلعه بالأخطاء، ﻷن كل رئيس لا بد أن تكون له أخطاء، وحتى هذا الرئيس الانتقالي الآن سجلت عليه أخطاء كما فعل مرسي، ﻷن هذا المسلك يدعوا إلى الفوضى وإلى الفساد في الأرض، ﻷنه إذا كان كل رئيس أخطأ خلعه الشعب فلن تستقيم الأوضاع في مصر ولا في غيرها، يعني أنه كل سنة أو سنتين تجري انتخابات وهذا رئيس جديد، وهذا فيه ضياع كبير للمال وفيه ضياع كبير للوقت وضياع كبير لجهد الدولة.
إذن هنا كان الواجب إذ أخطأ مرسي أن يتم مدته الانتخابية وهي أربع سنوات، وما كانت له سوى 3 سنوات باقية، وتمر كما مرت السنوات الأخرى ويتغير الرئيس، وهذا كتان خطأ الجيش وخطأ مرسي، مرسي لم يعترف بأخطائه التي نسبت إليه، والجيش تسرع وساعد هؤلاء الثوار على خلع الرئيس، الذي هو رئيس شرعي فعلا، فكانت النتائج هكذا.
نحن نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام، حذر من التواطئ على الأمراء، وأمر وأكد على لزوم الطاعة، ما لم يظهر من الأمير او الحاكم كفر بواح، وما دون الكفر فيجب أن يتقبل منه، زحتى إذا كان من الواجب خلعه من منصبه، فيجب أن يكون بطرق شرعية قانونية، وليس بسفك الدماء وبالفوضى، الرسول أكد على هذا كله دفعا لما يحدث عن الانقلابات من القتل ومن سفك للدماء ومن تضييع الأموال وهكذا.
كذلك الإخوان أخطأوا بدورهم، أخطأوا بتعنتهم في مواقفهم، ﻷنه إذا كان الحرص على البلاد وعلى كرامة الشعب وعلى أمن الشعب كان على الإخوان حين رأوا الجيش تدخل في الموضوع وعزل الرئيس، كان عليهم أن يقفوا موقف التلين، وأن ينخرطوا مرة أخرى في النظام السياسي، ﻷنه أمامهم المستقبل، ﻷنهم إذا كانوا في مواقف الحكمة وكانوا مستقيمين، فإنه سيمكنهم أن يشاركوا مرة أخرى في الحملات الانتخابية، وربما يفوزون أيضا ﻷنهم في نظر الناس وفي نظر الشعب المصري خاصة مظلومون، سرق منهم حقهم، فقد يفوزون مرة أخرى، أما موقفهم في هذه القضية، وتعنتهم في مواقعهم، هو الذي جر على مصر هذه المآسي، آلاف القتلى وآلاف الجرحى، واعتقال رؤوسهم ووضعه في السجن، هذا كله كان خطأ من الإخوان.ما كان لهم أن يتعنتوا في مواقعم، وكان عليهم أن يستسلموا، ﻷن هنا الحالا بين والحرام بين،
ولهذا الدول الأوربية كلها لم تساند الإنقلابيين، ﻷنهم انقلبوا على الديمقراطية،
الآن مصر في وضع مزري، وكما في الحديث: “عدتم من حيث بدأتم”، الرسول يتحدث عن المسلمين في المستقبل أي يتقاتلون ويفقدون كثيرا من ملكهم، فقال: “عدتم من حيث بدأتم”. مصر الآن عادت من حيث بدأت، عادت إلى أيام عبد الناصر وإلى أيام الديكتاتورية والاستبداد والتسلط وكتم الحريات، ويعلم الله متى ستستقيم الأوضاع في مصر.
هنا نقول أن الفراق الثلاثة أخطأت: الجيش والإخوان وهؤلاء الثوار الغوغاء الذين خرجوا إلى الشارع، ونقول أن مصر دولة مسلمة أحب من أحب وكره من كره، إذن كان عليها أن ترجع إلى المرجعية الشرعية، لا سيما أن الأزهر حشرت نفسها أيضا في هذا الموضوع، وهذا من خطأ الأزهر، ما كان للأزهر أن تحشر أنفها في هذه الفتنة، الأزهر مادام انها عندها صفة مقدسة، في العالم الإسلامي كله، كان ينبغي أن تبقى بمعزل عن هذه الفتنة، ولكن الأزهر دخل شيخها في هذه الفتنة، وطاوع الجيش وكاوع عبد الفتاح السيسي، وصارت الأزهر الآن أيضا ملوثة، وصارت ترمى بسهام الانتقاد، وبسهام لا تتقبلها الأزهر.
فقد أخطأ الأزهر، وكان من حقها ومن واجبها أن تدلل على المرجعية الشرعية، في هذا الباب، ونحن نعلم أن الإسلام له توجيهات في هذا الباب، في نظام الحكم وفي السياسة، وكيف يتعامل الشعب مع قائده، هناك نصوص في السنة النبوية، كان على الأزهر على الأقل أن تبين للجيش الموقف الشرعي في هذه الحالة، وأنه ليس من السهل أن يخلع الرئيس هكذا، على أخطاء ارتكبها، لا بد من التريث ومن المحاولة في دفع الفتنة عن الشعب.
لهذا نقول إن هذه القضية المصرية وقع فيها الأخطاء من الفرق كلها، من الجيش ومن الإخوان ومن مرسي رئيس مصر السابق، ومن الأزهر كذلك، ﻷنهم كلهم لم يلتزموا بالمرجعية الشرعية، وهذا يعود إلى طبيعة الجيش المصري كما وصفه القرآن، الجيش المصري منذ قديم الزمان وصفه الله تعالى بالاستبداد والتسلط والطغيان، وصفه بأنه مثل وقدوة لكل ظالم ولكل طاغية ولكل مستبد، ﻷنه يدعو إلى النار، وبقيت هذه الصفة مسترسلة في الجيش المصري إلى اليوم.
نسأل الله تعالى لمصر السلامة والتوفيق والنجاة من الفتن، والحمد لله رب العالمين.
{jathumbnail off}



