4 أبريل 2025 / 22:25

انهيار المنظومة الليبرالية الغربية

مصطفى يعقوب
حين تنهار منظومة كونية، لا ينهار فقط شكل الحكم أو النظام الاقتصادي…بل تنهار القصة التي أقنعت البشرية بأن هذا الشكل هو الطريق للمستقبل. وهذا تماماً ما يحدث اليوم مع الليبرالية الغربية.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان النظام الليبرالي يقدم نفسه كـ”نهاية للتاريخ” (وفقاً لفوكوياما)، أي آخر سردية مقبولة لتنظيم العالم: الديمقراطية، السوق الحرة، حقوق الإنسان، العولمة..الخ، لكن كما أشار يوفال نوح هراري في كتابه 21 درساً للقرن الحادي والعشرين، فإن هذه القصة لم تعد تُقنع أحداً.

الإنسان المعاصر لم يعد يرى في الفردانية والحرية والسوق المفتوح طريقاً للخلاص، بل أحياناً مصدراً للتيه والفراغ والتفكك والعدمية واللامعنى. لكن اللحظة التي كشفت الهشاشة العميقة للمنظومة الليبرالية هي صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
ترامب اليوم ليس مجرد رئيس مختلف، بل تجسيد لانهيار ثقة المركز الليبرالي بذاته. منذ وصوله، بدأ بتقويض أهم ركائز المنظومة: فرض رسوم جمركية شاملة على الحلفاء قبل الخصوم، ضارباً مبدأ السوق الحرة.

انسحب من منظمة الصحة العالمية، وقطع مساعدات USAID، ضارباً مبدأ التضامن العالمي. وهاجم الاتحاد الأوروبي والناتو، وسخر من الديمقراطية الليبرالية نفسها. وروّج لانعزالية قومية تتعارض مع مبدأ العولمة الذي قامت عليه المنظومة كلها.

وهنا تظهر المفارقة: أمريكا –التي صاغت النظام– باتت تتصرف وكأنها لم تعد تريده.

ليست روسيا ولا الصين من بدأ الهدم، بل المركز ذاته.. لكن هذه التصدعات لم تبدأ مع ترامب. هو فقط سلّط الضوء على هشاشة النظام.

فمنذ سنوات، بدأت الشعوب الغربية نفسها تفقد إيمانها بمنظومتها: صعود اليمين المتطرف، تفكك الاتحاد الأوروبي، ازدياد اللامساواة، وتضاؤل الثقة بالمؤسسات…كلها علامات على انحسار الهيمنة الليبرالية من الداخل.

ولعل صعود فلسفات ما بعد الحداثة كان أكثر المؤشرات صخباً على هذا الانهيار الداخلي. فالفكر ما بعد الحداثي لم يهاجم الليبرالية من خارجها، بل نشأ في عمق جامعاتها وأكاديمياتها، ليقوض أُسسها الفلسفية: العقل، الموضوعية، الكونية، والحقيقة الواحدة. بدلاً من الفرد الحر المتساوي، صار الحديث عن “الهويات المتصارعة”. وبدلاً من المواطَنة، صار الانتماء مرتبطاً بالجنس، العرق..الخ

وهكذا، تفككت الرواية الليبرالية عن الإنسان، وأصبحت شظايا لا يجمعها شيء سوى الشك في كل شيء. في هذه اللحظة المفصلية، ينبثق سؤال مصيري كما صاغه هراري: ما القصة القادمة؟ ما الذي يمكن أن يحل مكان السردية الليبرالية ويمنح العالم معنى جديداً؟

هنا، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الأطروحات إثارة للجدل: رؤية صامويل هنتنغتون في كتابه “صدام الحضارات”. هنتنغتون لم يرَ المستقبل صراعاً بين دول أو أيديولوجيات سياسية، بل بين حضارات:
الغربية، الصينية، الإسلامية، الأرثوذكسية، الهندوسية، وغيرها. ورأى أن انهيار الأيديولوجيات الكبرى (كالشيوعية والليبرالية) سيعيد ترتيب العالم وفق انتماءات ثقافية/حضارية عميقة، لا وفق مصالح سياسية عابرة.

في عالم ما بعد الليبرالية، لا تُفهم الأحداث بوصفها خلافات بين أنظمة، بل بوصفها عودة الانتماء الجذري: الغرب سيتمترس خلف هويته المسيحية/الليبرالية ويعيد إنتاج نزعات تفوّق حضاري.

الصين ستطرح نموذجاً حضارياً مركزياً مستلهماً من الكونفوشية والتقاليد الإمبراطورية.

الإسلام سيعود ليطرح أسئلة كونية عن العدالة والهوية والغاية.

روسيا تدمج الأرثوذكسية القومية مع معاداة الحداثة الغربية لتقديم سرديتها الخاصة.

هنتنغتون كان يرى أن العالم لم يتوحد قط، بل كان دائماً مؤلفاً من حضارات متجاورة، وقد دخلنا الآن مرحلة اصطدامها المباشر. وفي هذا السياق، لا يصبح انهيار الليبرالية مجرد نهاية سردية، بل بداية تفكك المركز وتحرر الأطراف.

لم تعد هناك قصة واحدة تُروى من واشنطن أو باريس وتُصدَّر إلى العالم، بل تعدد في الحكايات او السرديات الكبرى، وتنافس على من يملك الحق في تعريف الإنسان، والمجتمع، والمعنى. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: هل ستظل الحضارات تتصادم في فراغ سردي مفتوح؟ أم أن إحداها ستنجح في بناء سردية كونية جديدة تقنع لا أهلها ومعتنقيها فقط، بل الإنسان بوصفه إنساناً؟

الليبرالية تفقد بريقها. لكن الفراغ الذي تتركه لن يُملأ بشكل تلقائي. سيكون ساحة صراع مفتوحة. حيث الحضارات لا تتصارع فقط بالسلاح والاقتصاد، بل بالحكايات الكبرى ومدى اقناعها. وهنا تماماً، نقف نحن كعرب على عتبة لحظة تاريخية نادرة. لحظة يُعاد فيها تشكيل العالم، لا على مستوى المصالح فقط، بل على مستوى المعنى ذاته.

القوى الكبرى تعيد تعريف هويتها، وترسم حدودها من جديد، وتراجع تحالفاتها وقيمها. وهذه ليست لحظة للحياد، بل فرصة نادرة للدخول إلى مسرح التاريخ مجدداً. إن لم نكن حاضرين في لحظة الولادة الجديدة للعالم، سنُقصى منه لعقود قادمة.

علينا أن نسأل أنفسنا: هل لدينا سرديتنا؟ رؤيتنا؟ تعريفنا للإنسان والمجتمع والمستقبل؟ وهل نملك القدرة على صياغة مشروع حضاري عقلاني، لا ينبثق من تقليد الغرب ولا من الإنكار الذاتي، بل من جذورنا العميقة وموقعنا الجغرافي/التاريخي/الثقافي الفريد؟

السؤال بالنسبة إلينا يجب ألا يكون فقط ما القصة القادمة للعالم؟ بل: هل نحن سنكون جزء منها؟ أم مجرّد هامش على أطراف النص كما حدث في القصة الليبرالية؟
ـــــــــــــــ
العنوان من اختيار الموقع. رابط صفحة الكاتب على فيسبوك