ثاني رمضان.. بداية حصار الجديدة لأخذها من البرتغال


ملخص القصة يرويه الناصري نقلا عن ” لويز”، بقوله: قد ذكر لويز مارية خبر هذا الفتح ونحن نلخص ما ذكره من ذلك قال:
لما ولي السلطان سيد محمد بن عبد الله سلطنة المغرب كان لا يقر له قرار من أجل مشاركة البرتغال له في قطعة من أرضه، وكان شهما ذا أنفة وإباية، فاستشار أهل الرأي من دولته في غزو الجديدة وفتحها، فقالوا له: لا يظن سيدنا أن أخذها يكون بأن تحمل المسلمون عليها دفعة واحدة حتى يقتحموها مثلا، فإن ذلك لا يجدي شيئا ولا يحصلون إلا على القتل كما وقع في أيام السلطان الغالب بالله السعدي، وإنما يتوصل إلى فتحها بالحصار
والمطاولة برا وبحرا، فعمل على ذلك بعد أن كرهه أولا.
ولما عزم على النهوض إليها جمع جيشا كثيفا من قبائل مراكش والحوز والسوس وغير ذلك. زعم لويز أنه اجتمع له من المقاتلة نحو سبعين ألفا، ويظن أن هذا من مبالغته على عادته في ذلك.
وكان نزوله على الجديدة في رابع مارس العجمي سنة ثمان وستين وسبعمائة وألف مسيحية، وفي تواريخ الإسلام أن نزوله عليها كان في فاتح رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف عربية.
ولما نزل عليها أمر بحفر الأساس لاتخاذ أشبار من جميع جهاتها ونصب عليها خمسة وثلاثين مدفعا بين كبير وصغير ورمى عليها “كورا” و”بنبا” (قنابل) كثيرا في أيام متعددة، سقط منه داخلها أكثر من ألفين وهدمت كثيرا من أبنيتها، وقتلت عددا وافرا من أهلها.
وكان من جملة أهلها رجل عسكري قد أناف على السبعين سنة وعجز عن حضور القتال، وله زوجة وأولاد، فلما رأى تساقط “البنب” مثل المطر طلب النجاة لنفسه وعياله، ففر إلى “هري” (مخزن) هنالك، كان فوقه خزائن قمح، فاختفى تحته واختفى معه أناس آخرون، وظنوا أن “البنبة” لا تنفذ في خزين القمح وتخرق السقف الذي تحته وتصل إلى “الهري” الذي هم به، فقضى الله تعالى بأن سقطت به “بنبة” تجاوزت القمح والسقف وسقطت على الشيخ فقتلته ومن معه وكانوا تسعة أنفس وانجرح آخرون.
ولما طال الحصار على أهل الجديدة كتبوا إلى طاغيتهم، فأشار عليهم بالخروج إن عجزوا عن المدافعة، وكانت هذه المكاتبة من غير علم من العامة، وبينما هم كذلك إذ ورد عليهم مركب من أشبونة ظنوه مددا لهم، فإذا به قد أتى بكتاب الطاغية يأمرهم بالخروج ويتحملوا بأولادهم وعيالهم في مراكبه ويدفعوا البلد للمسلمين، ولما علم العامة بذلك، امتنعوا وحاصوا حيصة حمر الوحش وسبوا الكتاب ومن أرسله، وقالوا لا نخرج منها حتى نهلك عن أخرنا إذ هي مأثرة أجدادنا عجنت طينتها بدمائهم وفنيت عليها نفوس أكابرهم وأشرافهم، ثم توسط بين عامتهم وكبيرهم القسيسون وسهلوا عليهم الأمر حتى انقادوا.
وبعث كبيرهم إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله يطلب منه أن يكف عن القتال ويؤجله ثلاثة أيام ليدفع له البلد، فأجابه السلطان إلى ذلك واشترط عليه أن لا يخرجوا إلا في ثيابهم التي على ظهورهم ولا يحملوا معهم شيئا غيرها فامتثلوا.
قال لويز: حتى أن عسكريا منهم حمل معه كسوة أخرى لم تسمح بها نفسه فرآها كبيرهم وهو يريد أن يصعد إلى المركب فانتزعها منه وألقاها في البحر.
ولما أيسوا من حمل شيء معهم أحرقوا الأثاث والفراش، وعرقبوا الخيل وقتلوا الماشية وكسروا الأواني والعدة، وفلسوا أكثر من مائة مدفع.
وآخر الأمر أنهم دفنوا “مينات” البارود في حوماتها، كل “مينا” فيها أكثر من أربعين برميلا، وتركوا رجلا حدادا اسمه بطروس، فيقال إنه الذي أوقد المينا عند دخول المسلمين إليها، فهلك فيها نحو خمسة آلاف وتهدم السور الجنوبي منها.
ولما وصلوا إلى أشبونة أسكنهم طاغيتهم ببلدة يقال لها بلين فأصابهم الوخم وهلك منهم أكثر من ثلاثمائة نفس، ثم انتقلوا إلى بلاد البرازيل فبنوا هنالك مدينة سموها مازكان الثانية باسم الجديدة.
هذا ملخص ما ذكره “لويز”. ومن خط الفقيه العلامة أبي العباس أحمد السدراتي، أن فتح الجديدة كان صبيحة يوم السبت الثاني من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، ووافق ذلك اليوم الثامن والعشرين من فبراير العجمي وهو ثالث أيام الحسوم.



