آفة جَلَد الفارغين وإحجام المخلصين


وترى الدنان الفارغة والرؤوس الجاهلة تتجارى إلى ميادين النزال آخذة بالزمام، تقود جحافل من العوام، كما قال الشاعر:
ملآى السنابل تنحني تواضعا
والفارغات رؤوسهن شوامخ
فقد تصدى لقيادة بعض الجماعات جهلة مستبدون عدتهم الجرأة وحب الظهور والتسلط والادعاء، والتنازع والاختلاف مع كل أحد، لأنهم أعجاز نخل خاوية من أي علم أو فضل، فلم يزيدوا العمل الإسلامي إلا نكدا وتخلفا وتقهقرا.
وهي آفة جلد الأدعياء الفارغين، وعجز الثقات المخلصين، وإحجام الراسخين،عن التصدي لمقام التوجيه والقيادة والتنظيم في الحركة الإسلامية، حيث تركوا الحبل على الغارب، وأخلوا مواطن الصدارة للأدعياء الطائفيين يسوسون الناس بأهوائهم كيف شاءوا، فحصل من الشرور والبلايا، والتفرق شيء عظيم.
وقد وصف الإمام الآلوسي رحمه الله هؤلاء الأدعياء بقوله: “مثلمن دخل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق فعمل عمل الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال، أو مثل من استوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقة المعنى فأضاءت ظواهره بالصيت والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بين الخلق حتى نبذوه في الآخر ولا يجد مناصاً من الفضيحة يوم تبلى السرائر”.
وزاد في الطين بلة تقاعس جماعة من العلماء الأكادميين العاطلين، ممن اختاروا البقاء في الظل مع الخوالف، واتخذوا العلم فاكهة، يتفكهون بها في قتل الأوقات في المناسبات الرسمية والمؤتمرات، وضياع الأعمار في غير عمل أو رسالة في الحياة .
مع أن الأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى قيادة العلماء والمفكرين، في زمن ابتلي فيه الإسلام بجهل أبنائه وعجز علمائه، ممن تقع على عاتقهم مسؤولية إنقاد أبناء الصحوة من أوحال الجهل وخطر الفكر الدخيل، الذي تسرب إلى تراث الأمة وعقيدتها، وكان له أثر سيء على سلوك المسلمين وحركتهم ومناهج تفكيرهم .
وأمام إحجام المخلصين عن ميادين النزال انفسح المجال لسيادة الغوغاء، الذين نصبوا أنفسهم مشايخ وتصدروا للدعوة قبل الأوان وعدادهم في العوام، رأسمالهم ثقافة مغشوشة، وأفكار شاحبة تضلل الخلق، وتشجي الحلق، فصار الناس يطلبون الحكمة عند العميان، ويتبعون المراهقين في فهم الإسلام، وقد كان من دعاء عمر رضي الله عنه “اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة”.
وهذا ما دعا أبا العلاء المعري إلى التذمر من صلف جهال أهل زمانه حيث قال:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلتُ حتى ظُـنَّ أنيَ جَاهلُ
فوا عجباً كم يدَّعي الفضل ناقصٌ ووا أسفاً كم يُظهر النقصَ فاضلُ
وقد نفخت في ذلك الوضع بعض الصحف ووسائل الإعلام، التي صارت تشيد بطوائف الغوغاء والحماسيين، وتزري بمدارس العلماء الراسخين ودعوتهم السائرة برشد واعتدال، لأنها لا تريد لإسلام العلم والرشد والاعتدال أن ينتشر، لما يمثله من خطرعلى دوائر المكر العالمية في قيادة الصفوة، والنفوذ إلى مؤسسات الفكر والسياسة في المجتمعات.
والحق أن بُعد العلماء عن الميدان كان سبب البلاء فيما تتخبط فيه كثير من الحركات الإسلامية من جهل وتمزق واختلاف، لأنهم تركوا الزمام للطائفيين، وجلبوا بإحجامهم، وتركهم العمل في سبيل الله وسكوتهم عن الحق عارا على الإسلام، فنطق الجهال، وتكلم الرويبضات، وصار زمام الأمر إلى مشيوخاء من العوام، وحركات كثيرة الصياح أعقبت العمل الإسلامي تقهقرا وضياعا .
ولاسبيل إلى صلاح الحال إلا برد الأمور إلى نصابها وإعطاء القوس باريها، بتولي العلماء مراكز القرار في قيادة الحركات الإسلامية، وانتصابهم في مواقع الصدارة، إذ لا خير ولا رشد يرجى من تنظيمات سلمت أزمة قيادها للغوغاء وأقصت العلماء من مواقع التأثير وصناعة القرار.
{jathumbnail off}



