إنجيل واحد أم أناجيل ؟

أحمد الشقيري الديني
6 أبريل 2013

أحمد الشقيري الديني
أحمد الشقيري الديني
طبيعي أن يكون المغرب بموقعه الاستراتيجي، مستهدفا من ما يسمى بالتبشير المسيحي، ذلك أن المغرب يعتبر أقرب نقطة تصل إفريقيا بأوروبا المسيحية، ولا أحد يجهل الجهود الحثيثة للتبشير المسيحي بإفريقيا السوداء، فأي نجاح لحركة التنصير بالمغرب سيكون مدخلا أساسيا لسقوط باقي القلاع في إفريقيا جنوب الصحراء، ولهذا وجب على علماء المسلمين المغاربة أن يولوا اهتماما خاصا لموضوع التنصير، ويواجهوه بالنقد العلمي، وتحصين الجالية المسلمة من سهامه، لأن حركة التنصير تسعى لجعل الجالية المغربية “الوسيط التبشيري” بينها وبين المغاربة، وهذا ما نلمسه في إمداد أفراد تلك الجالية بالأناجيل والمطبوعات والمرئيات أثناء عملية العبور، باللغتين العربية والأمازيغية؛ ولولا التحريف الذي طال تعاليم المسيح عليه السلام من أحبار ورهبان السوء، لكان التبشير عملا إنسانيا يسعى لإنقاذ الناس من الضلال والكفر؛ قال تعالى: ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).

قاعدة في التعامل مع الأناجيل

الأناجيل التي دوّنت بعد المسيح عليه السلام تربو على السبعين، بينها اختلاف شديد، أقرت منها مجامع النصارى  أربعة، هي متداولة اليوم بأيدي النصارى على اختلاف فرقهم : إنجيل يوحنا، إنجيل لوقا، إنجيل متى و إنجيل مرقس. أما إنجيل “برنابا” الذي ينفي عن المسيح صفة الألوهية، ويبطل الكثير من عقائد النصارى، وعلى رأسها عقيدة الصلب وعقيدة التثليث، و يوافق الكثير مما جاء به القرآن، فإن النصارى يسعون لإتلافه كل ما عثروا على نسخ منه، مع العلم أن “برنابا” كان من أشد تلاميذ المسيح عليه السلام ملازمة له.
ما جاء في هذه الأناجيل موافقا لأصول الإسلام قبلناه، و ما جاء فيها مخالفا لها رددناه، و ما ورد فيها من أخبار و أحكام سكت عنها ديننا فلا نصدّقه و لا نكذبه، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تكذبوا أهل الكتاب و لا تصدّقوهم”؛ إلا أن هذا الصنف الأخير قسمان : القسم الأول ما اتفقت بشأنه الأناجيل ولم تختلف حوله فذاك حكمه، وأما ما تضاربت نقولهم فيه، وهو القسم الثاني، فنحتج به عليهم على التحريف الموجود في كتبهم، ما لم يوجد مسلك علمي للجمع بين تلك الأقوال.

الإنجيل المذكور في القرآن ليس هذه الأناجيل المتداولة بأيدي النصارى اليوم

اعلم أن الإنجيل المذكور في القرآن ليس هو هذه الأناجيل المتداولة بين أيدي النصارى اليوم، و لهذا لا يذكرها القرآن بصيغة الجمع!مع أنها كانت متعددة عند القوم إبان نزول القرآن ، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله لكان يجاريهم على ما هم عليه، و يقول الأناجيل لا الإنجيل فتأمّل!!
ونقل العلامة رشيد رضا عن شيخه الإمام محمد عبده قوله : “وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة و الإنجيل  من أصل عربي، و ما هما بعربيتين، و معنى التوراة -وهي عبرية- الشريعة، ومعنى الإنجيل –وهي كلمة يونانية- البشارة، إنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمّل الشريعة للبشر”.
أما الأناجيل الأربعة فعبارة عن كتب وجيزة في سيرة المسيح عليه السلام، وشيء من تاريخه و تعاليمه ، وفيها خبر الصلب الذي لا يمكن أن يكون من وحي الله لرسوله، و ليس لها سند متصل عند أهلها، و هم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة؛ ففي السنة التي كتب فيها الإنجيل الأول تسعة أقوال، وفي كل واحد من الثلاثة عدة أقوال أيضا،على أنهم يقولون إنها كتبت في النصف الثاني من القرن الأول للمسيح، لكن أحد الأقوال في الإنجيل الأول أنه كتب سنة  37 للميلاد ،ومنها أنه كتب سنة 64، و من الأقوال في الرابع أنه كتب في 98 للميلاد، و منهم من أنكر أنه من تصنيف يوحنا، وأن خلافهم في سائر كتب العهد الجديد لأقوى وأشد.
أما الإنجيل في عرف القرآن فهو ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى بن مريم عليه السلام من البشارة بالنبي الذي يتمم الشريعة و الحكم و الأحكام، وهو ما يدل عليه اللفظ “.

ضياع كثير من الإنجيل و سبب تحريف كتب النصارى المقدسة

يقول العلامة رشيد رضا : “إن الكتب التي يسمونها الأناجيل الأربعة تاريخ مختصر للمسيح عليه السلام، لم يذكر فيها إلا شيء قليل من أقواله و أفعاله في أيام معدودة، بدليل قول يوحنا في آخر إنجيله : (هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا، و نعلم أن شهادته حق. و أشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة، واحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، آمين). هذه عبارة يراد بها المبالغة في بيان أن الذي كتب عن المسيح لا يبلغ عشر معشار تاريخه… قال صاحب “ذخيرة الألباب” : “إن الإنجيل لا يستغرق كل أعمال المسيح ولا يتضمن كل أقواله، كما شهد به القديس يوحنا”.
الإنجيل في الحقيقة واحد و هو ما جاء به المسيح عليه السلام من الهدى و البشارة بخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو ما كان يدور ذكره على ألسنة كتاب تلك التواريخ الأربعة وغيرهم حكاية عن المسيح، و سميت تلك التواريخ أناجيل لأنها تتكلم عن إنجيل المسيح وتجيء بشيء منه، و لذلك بدأ مرقس تاريخه بقوله : ” بدأ إنجيل يسوع المسيح”، ثم قال حكاية عن المسيح : “فتوبوا و آمنوا بالإنجيل”؛ فالإنجيل الذي أمر الناس أن يؤمنوا به ليس هو أحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها.
كانت الأناجيل في القرون الأولى للمسيح كثيرة جدا حتى قيل أنها بلغت زهاء سبعين إنجيلا، و قال بعض المِؤرخين للكنيسة إن الأناجيل الكاذبة بلغت 35 إنجيلا.
وقال الدكتور بوست البروتيستانتي في قاموس الكتاب المقدس : “إن نقص الأناجيل غير القانونية ظاهر لأنها مضادة لروح المخلص و حياته”، يعقب الشيخ رشيد رضا بقوله:” إننا قد اطلعنا على واحد منها و هو إنجيل “برنابا” فوجدناه أكمل من مجموعة الأربعة في تقديس الله و توحيده، وفي الحثّ على الفضائل… فإذا كان هذا برهانهم على ردّ تلك الأناجيل الكثيرة و إثبات هذه الأربعة، فهو برهان يتبث صحة إنجيل “برنابا” قبل غيره أو دون غيره” ، ومعلوم أن الشيخ رشيد رضا قام بترجمة وطبع إنجيل برنابا في مطلع القرن الماضي.
بدأ تحريف الإنجيل من القرن الأول، قال بولس في رسالته إلى أهل غلاطية : (1 : 6 إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. لا! ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم و يريدون أن تحولوا إنجيل المسيح). فالمسيح كان له إنجيل واحد، وبين بولس أنه كان في عصره من القرن الأول أناس يدعون المسيحيين إلى إنجيل غيره بالتحويل، أي بالتحريف كما في الترجمة القديمة؛ وبين بولس أن الناس كانوا ينتقلون سريعا إلى دعاة هذا الإنجيل المحرف عن أصله الذي جاء به المسيح…
وفي الفصل الخامس عشر من سفر الأعمال ما يوضح هذه المسألة، وهو أن اليهود كانوا ينبئون بين المسيحيين ويعلمونهم غير ما يعلمهم رسل المسيح، وأن المشايخ و الرسل أرسلوا برنابا و بولس إلى أنطاكية ليحذروا أهلها من هؤلاء المعلمين الكذابين، و أن بولس و برنابا تشاجرا و افترقا هنالك، وهما ما تشاجرا و افترقا إلا لاختلافهما في حقيقة تعاليم المسيح، فبرنابا يذكر في مقدمة إنجيله أن بولس كان من الذين خالفوا المسيح في تعليمه؛ ولا شك أن برنابا أجدر بالتقديم و التصديق من بولس، لأنه تلقى عن المسيح مباشرة، و لكن النصارى رفضوا إنجيل برنابا المملوء بتوحيد الله و تنزيهه و بالحكمة و الفضيلة، و آثروا عليه رسائل بولس و أناجيل تلاميذه لوقا و مرقس، لأن تعاليم بولس كانت أقرب إلى عقائد الرومانيين الوثنيين، فكانوا هم الذين رجحوها و رفضوا ما عداها، إذ كانوا هم أصحاب السلطة الأولى في النصرانية.
و قد اختلف علماء الكنيسة و مؤرخو الأناجيل الأربعة التي اعتمدوها في القرن الرابع : من هم الذين كتبوها؟ و متى كتبوها؟ وبأي لغة كتبت؟ و كيف فقدت نسخها الأصلية؟ كما ترى ذلك مفصلا في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى و في غيرها من كتب الدين و التاريخ .

{jathumbnail off}

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...