التحميد والتسبيح بين سورتي الإسراء والكهف..؟ 1/2


وفي هذه النظرات الاستيحائية لا نمارس التفسير التقليدي كما أسلفنا ذلك في ومضات سابقة، لأن التفسير بمعناه العلمي والتقليدي سواء لدى الأقدمين أو المحدثين من المفسرين يتطلب شروطا موضوعية ومعرفية لا ادعي إنني متوفر عليها، ومستكمل لأدواتها، ولكن الرغبة في تذكير النفس أولا وإشراك من يقرأ هذه الومضات في هذا التذكير هو الدافع الأساس في هذه الومضات، وأسميناها ومضات لأنها تأتي من خلال لحظة التلاوة الأولى للآيات البينات التي نسرق بعض اللحظات من الزمان الذي يغالبنا ونغالبه للعودة إلى كتاب الله.
وسنعالج في نظرات وومضات هذه السنة بعض ما يمكن إدراكه من توجيه رباني في سورة “الكهف”.
وسورة الكهف من السور المكية إلا بضع آيات فهي مدنية على ما يذكره اغلب المفسرين، وتقع سورة الكهف حسب ترتيب المصحف العثماني عقب سورة الإسراء، ولاشك أن هذا الترتيب الذي هو توقيفي فيما عليه المحققون من علماء الأمة يشي بما تتضمنه “السورتان” معا من الدعوة إلى التوحيد وإقامة البرهان والحجة على منكري الدعوة والرسالة، إذ تؤكد على أن القرآن من عند الله وأن الطاغين في ذلك من منكري الوحي لا يستطيعون ولو تظاهر معهم وساندهم الجن والإنس، أو الذين يشركون بالله وينكرون الوحي وما جاء به محمد عليه السلام، وسورة الإسراء بدأت “بالتسبيح والإشارة إلى عبد الله محمد عليه السلام وسورة الكهف افتتحت بالحمد أو التحميد، لله الذي انزل على عبده الكتاب، وهذا الأسلوب في التعبير في مفتتح السورتين تكريم وتشريف للرسول محمد عليه السلام الذي أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنزل عليه الكتاب كما تذكر السورة “الكهف” في مفتتحها.
وورد في شأن سورة الكهف أحاديث كثير تختلف من حيث السند ولكنها كلها ترغب في قراءة سورة الكهف واستظهار الآيات الأولى والأخيرة من السورة والحث على قراءتها في صباح يوم الجمعة، وفي الجنوب المغربي التزام بهذا التقليد في سياق قراءة الحزب الراتب حيث يتم ختم القرآن في أربعين يوما وليس في ثلاثين يوما كما هو جري العمل في شمال ووسط المغرب أثناء قراءة الحزب الراتب.
وفي القرآن سور خمس افتتحت بالحمد لله أولا سورة الفاتحة وهي أول ما يقرأه الإنسان وهو شرع في تلاوة وكتاب الله وهي بدأت بالحمد لله رب العالمين، وتضمنت من المعاني ومن التوجيه مجموع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به الرسل من قبل فهي أم القرآن.
وفي سورة الأنعام الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، فالحمد لله الذي خلق الكون وسخره للإنسان ينتفع به حالا ويستعد من خلال التزامه بأوامر لله ليوم العاد يوم يقوم الناس لرب العالمين، وفي الكهف توجيه للحمد لله الذي انزل الكتاب القرآن وفي سبأ الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض» وفاطر الحمد لله فاطر السموات والأرض» ومن خلال تتبع افتتاح هذه السور بالحمد لله الذي حمد نفسه ليعلم خلقه وعباده كيف يحمدونه، وهي بالتعريف بالألف والام ابذانا وإشعار اللحلق ان الحمد لله سبحانه وتعالى وليس لغير من المخلوقات كائنا من كان «وقد جاء في الأثر –(الحمد لله)» وعلى الناس أن يتوجهوا له بالحمد على ما أولى من النعم منة منه سبحانه وفضلا.
وعند افتتاح الكلام والتأويل أو التفسير حول هذه السور يشير المفسرون إلى هذه المعاني التي لابد أن يدركها من قارن بين هذه الافتتاح في هذه السور يعجبني هنا ما كتبه الشيخ رشيد رضا رحمه الله في افتتاح تفسير سورة الأنعام إذ قال:
«افتتح الله كتابه بالحمد، ثم افتتح به أربع سور مكيات أخرى مشتملة كل منها على دعوة الإسلام ومحاجة المشركين فيها، الأولى الأنعام وهي آخر سورة كاملة في الربع الأول من القرآن، والثانية الكهف وهي مشتركة بين آخر الربع الثاني وأول الربع الثالث، والثالثة والرابعة وسبأ وفاطر، وهما آخر الربع الثالث، وليس في الربع الرابع سورة مفتتحة بالحمد. وقد قرن الحمد في الأول بخلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، وفي الثانية بإنزال القرآن على عبده الكل وكل منهما سمى نورا بل هما أعظم أنوار الهداية، وفي الثالثة بخلق السموات والأرض وبحمده تعالى في الآخرة وبصفات الحكمة والخبرة والعلم بما ينزل من السماء وما يعرج فيها والرابعة بخلق السموات والأرض وجعل الملائكة رسلا أولى أجنحة ووصفه بسعة القدر، والملائكة من الأنوار الإلهية التي تنزل من السماء والتي تعرج فيها، فظهر بها إن السور الثلاثة مفصلة لما أجمل في الأولى (الإنعام) مما حمد الله عليه كما أنها مؤيدة لما فيها من إثبات التوحيد والرسل والبعث».
ذ.محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي
{jathumbnail off}



