مشروعية حِـراك طلبة دار الحديث الحسنية

عبد الكريم امجوض
16 مارس 2014

عبد الكريم امجوض
عبد الكريم امجوض
تعتبر مؤسسة دار الحديث الحسنية من المؤسسات العلمية الكبرى في العالم الإسلامي الحاملة لمشعل التنوير في مجال العلوم الإسلامية نظرا للمكانة الروحية للمغرب من جهة، ونظرا كذلك للمنافسة العلمية والفكرية بين الشرق والغرب الذي يمثله المغرب من جهة أخرى.

ولعل المناهج المتبعة في مؤسسة دار الحديث الحسنية، وانفتاحها على مختلف العلوم الإنسانية، واحتضانها لخزانة من أكبر الخزانات في المغرب، ووضعها لشروط صارمة أمام الطلبة الملتحقين بها، بالإضافة إلى الميزانية التي خصصت لتسييرها، وبنايتها الرائعة التي يمكن اعتبارها من المآثر التي يفتخر بها بلدنا يجعلها مؤسسة علمية ذات إشعاع عالمي وقادرة على التأثير في محيطها مع المساهمة في بناء مجتمع متنور في ظل المبادئ السمحة للإسلام.

وقد تم إصلاح المناهج الدراسية بها سنة 2005 وتوالت النداءات من مختلف المهتمين بالشأن الفكري والديني والعلمي بضرورة إيلاء أهمية قصوى للعنصر البشري ممثلا في أساتذة المؤسسة وطلبتها؛ ذلك أن الاهتمام بالأساتذة وتوفير ظروف البحث العلمي يزيد من مردوديتهم في العطاء والإنتاج، ويعطي دفعة قوية للبحث العلمي الأكاديمي في مختلف العلوم الإسلامية، كما أن توفير الظروف الملائمة لطلبة المؤسسة وتقديرهم وتكوينهم تكوينا رصينا ومنتظما مع الاستفادة من تجاربهم ومؤهلاتهم والإنصات إلى مطالبهم واحتضانهم من طرف الوزارة الوصية وتبيان آفاق تكوينهم يجعل المؤسسة، حقا، منسجمة مع الإصلاح العميق الذي ترفعه الوزارة الوصية في الحقل الديني.

وقد تحمل طلبة مؤسسة دار الحديث الحسنية صعوبات على جميع المستويات، سواء على مستوى التكوين وتوفير الظروف الملائمة كما هو الشأن بالنسبة لمختلف المعاهد العليا التي تتوفر على جميع المرافق التي تساعد الطلبة على التحصيل في ظروف ملائمة، أو على مستوى الآفاق التي تنتظر الخريجين منهم في ظل الواقع الذي يعيشه المجتمع المغربي من تدافع.

ولذلك فإن حراك طلبة مؤسسة دار الحديث الحسنية في وجه الجهات المختصة مشروعة وذات أسس تستند إلى القانون والواقع:

1/ على مستوى القانون:

إن ما أقدم عليه طلبة المؤسسة، مؤخرا، من أشكال الاحتجاج بدءا بإصدار بيان للرأي العام يعرضون فيه معاناتهم والمشاكل التي تتخبط فيها المؤسسة وكذا بعض العراقيل التي تحول دون جودة التحصيل العلمي مرورا بحمل الشارة ووصولا إلى برمجة وقفة احتجاجية بحر الأسبوع المقبل في حالة عدم فتح باب الحوار معهم دليل على أن السيل قد بلغ الزبى، وأن صبر هؤلاء الطلبة قد نفد بعد صمت طويل وتجاهل لمطالبهم دام لعدة سنين منذ الصراع الشهير بين الوزير والمدير، علما أن آخر ما كان يفكر فيه طلبة المؤسسة هو الاحتجاج لأن أغلبهم يؤمن بالحوار ويفضل قضاء وقته في البحث والتحصيل بعيدا عن الضجيج والصراع.

غير أن ثقافة الاحتجاج دبت في صفوف هؤلاء الطلبة بوعي ومسؤولية نظرا لأن الشرع والقانون معا يكفلان الحق في الاحتجاج والتعبير عن الرأي لدفع التجاهل والتهميش، فليس جديرا بالحر أن يعيش في مذلة، ولا بالجائع أن يبقى في مسغبة، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والدستور الجديد يرسخ الشفافية وثقافة المطالبة بالحقوق والمساهمة في الواجبات، ونص الفصل الثامن والعشرون منه صراحة على أن للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية ومن غير قيد عدا ما ينص عليه القانون، بل إن الاحتجاج بعقد الاجتماعات وإصدار البيانات وحمل الشارات من أرقى أنواع الاحتجاجات وأكثرها وقعا لأنها تتسم بالرزانة والتعقل وتستطيع تبليغ المطالب للجهات المختصة بطريقة حضارية يستدعي العقل والقانون التعامل معها بطريقة حضارية ووفق القانون دون حمل الطرف المحتج على اللجوء إلى طرق أخرى للاحتجاج كالخروج للشارع العام أو مقاطعة الدراسة أو الإضراب عن الطعام.

كما أن القانون المنظم لمؤسسة دار الحديث الحسنية يحمل في طياته مؤشرات تفيد أن ما أقدم عليه طلبة المؤسسة مشروع، ذلك أن القانون المنظم للدراسة بالمؤسسة بمثابة تعاقد مع الطلبة، وعلى أساسه التحقوا بها، ومن حقهم مطالبة القائمين عليها بتنفيذ بنود العقد بحسن نية، والأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء الطلبة كان بإمكانهم الالتحاق بمعاهد عليا أخرى لكنهم التحقوا بالمؤسسة نظرا للامتيازات الواردة في النصوص القانونية المنظمة لها سواء على مستوى التكوين وجودته أو على مستوى توفير الظروف الملائمة للطلبة.

ويمكن اعتبار العرف السائد اليوم في الجامعات المغربية أساسا لاحتجاج طلبة المؤسسة، ذلك أنه إذا كان طلاب الجامعات والمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح التي يلتحق بها حملة الشهادات بمختلف التخصصات وبدون قيد أو شرط من حقهم الاحتجاج والمطالبة بتحسين ظروفهم فإن طلبة المؤسسة أولى بالاحتجاج، لأنهم لم يلتحقوا بالمؤسسة إلا بعد انتقاء ملفاتهم واجتياز امتحانات عسيرة مع ضرورة توفر شروط دقيقة في الطالب أو الطالبة، وبالتالي فإن وضع هاته القيود أمام الولوج للمؤسسة للدراسة بها يستلزم بالضرورة توفر شروط مواتية للطالب وإلا كان لازما المطالبة بها سيرا على نهج طلبة الجامعات الذين يحتجون في كل وقت وحين.

2/ على مستوى الواقع:

إن الواقع الذي تشهده دار الحديث الحسنية يجعل من الواجب على كل غيور عليها أن يقف وقفة تأمل حرصا على مستقبلها ومستقبل طلبتها، ذلك أنه إذا كانت إدارتها تحرص على السير الجيد والمنضبط، وبنايتها تبهر النفوس لروعتها وجمالها، والإعلان عن الأنشطة العلمية والثقافية تملأ أرجاءها، فإن طلبتها الذين ينبغي أن يتم الاعتناء بهم والحرص على الاستفادة من مؤهلاتهم يجب أن يكونوا محور أي اهتمام.

فمستوى طلبة المؤسسة يستلزم أن يتم التعامل معه بنفس المعايير التي يتم التعامل بها مع طلبة المدارس العليا التي توفر لطلابها جميع الوسائل الضرورية للعيش الكريم من مسكن ومطعم ومرافق رياضية. فلا يستساغ عقلا أن تنفق أموال طائلة على المؤسسة دون التفكير في بناء مسكن للطلبة الوافدين عليها من جميع جهات المغرب ومن الخارج، مساهمة في توفير أجواء التحصيل من جهة، وتوفيرا للظروف المريحة لهؤلاء الطلبة أسوة بزملائهم في المعاهد العليا من جهة أخرى.

أما قضية آفاق الدراسة بالمؤسسة فإنها من أبرز القضايا التي لا زالت تؤرق هؤلاء الطلبة نظرا لأن المباريات التي يتم الإعلان عنها في أغلب القطاعات، بما فيها قطاع الأوقاف والشؤون الإسلامية، تستبعد شهادة دار الحديث ويم التعامل معها باعتبارها “مجرد شهادة في علوم الدين” رغم أنها تعادل الشهادات التي تسلمها الجامعات المغربية، فرغم أن المؤسسة ذات استقطاب محدود، ورغم أن طلبتها من نخبة المجتمع فإنه ليس لهم الحق في اجتياز مباريات القضاء مثلا أسوة بزملائهم من كلية الشريعة، فكلا المؤسستين تركز على العلوم الفقهية ومع ذلك يسمح لخريجي كلية الشريعة باجتياز المباراة دون خريجي دار الحديث علما أنه لا أحد يشك في رصانة تكوين خريجيها في الفقه، وأن مستواهم في القانون لن يكون أدنى من مستوى خريجي كلية الشريعة، مما يجعلنا نطرح علامة استفهام عن السبب في ذلك، وهل يتعلق الأمر بمجرد عنوان الشهادة أم بانطباع خاطئ حول المؤسسة ومناهج التكوين بها أم إن هناك أسبابا أخرى لا يعلمها إلا الله.

تلك إذن بعض المرتكزات القانونية والواقعية التي تجعل احتجاج طلبة مؤسسة دار الحديث الحسنية مؤسسا، فالقانون والشرع يوجبان عليهم الدفاع عن حقوقهم والاحتجاج على الأوضاع التي يعيشونها جراء تجاهلهم وعدم الاستجابة لمطالبهم، كما أن الواقع يؤكد أن هناك تناقضات كثيرة يعيش فيها هؤلاء الطلبة، لأن هناك مؤسسة فخمة بإمكانيات مالية هائلة يعيش أبناؤها في أوضاع غير ملائمة، بل هناك طلبة بمعدلات متوسطة يستفيدون من خدمات الأحياء الجامعية وهم محرومون منها، ومعاهد عليا توفر لطلبتها جميع وسائل العيش الكريم والتحصيل رغم أن لهم مكانة لا تقل عن هؤلاء بالإضافة إلى أن مستقبلهم المهني لا زال مجهولا في ظل السكوت المطبق الذي تحيط به الجهات الوصية هذا الموضوع، وهاته المتناقضات كلها تبرر رفع شارة الاحتجاج ليستفيق الغافلون وليعلم الجميع أن دار الحديث لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بالاهتمام بأبنائها أولا وأخيرا.

* طالب بالسنة الثالثة دكتوراه بكلية الحقوق بالرباط وطالب سابق بمؤسسة دار الحديث

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...