حتى لا يحجُبَ ثُغاءُ الأغنام روحانيةَ العيد في الإسلام


(وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)
[الصافات:107]
“الإسلام، كما قد قلتُ وكررتُ على نحو شعائري، هو بيتي، لكني أسكنه كما يسكنه المتشردون.
يتجاوزني وأتجاوزه باستمرار.
كلانا يعيد الآخر إلى غراباتنا المتبادلة”
“حكاية حج”، عبد الله حمودي، ص. 229
على إحدى الإذاعات المغربية الخاصة، صادفتُ مسابقة مفتوحةً على المشاركة الهاتفية المباشِرة للمستمعين، الفائزُ فيها موعود بمكافأة مالية معتبرة، لاسيما في هذه الأيام التي ترتفع فيها شكوى الجيوب. موضوعُ المسابقة أصابني بالذهول؛ فالمستمعون مطالبون بأن يقلدوا أصوات الأكباش لاكتشاف الصوت الحقيقي للكبش؛ يسأل المنشط في حيوية ومرح: “أهو “ماع”؛ أم “باع” أم “ماء”…؛ والذي سيطلق أحسن “ثغاء” هو المحظوظ الذي سيظفر بالمكافأة… ولكم أن تتصوروا كيف تحول المذياع إلى حظيرة لأصوات الخرفان، طبعا أصوات غير أصيلة بل مزيفة لأنها تتمرن على التقليد.
أذهلني ما سمعتُ من أصوات بشرية وقد “تكبشنت”، أصواتٌ قادمة من مختلف المناطقِ والجهات، بل زوبَعنِي ما سمعتُ حين طفقتُ أستحضرُ قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام، محاولا استذكار بعض ما كتبه العلماءُ و الحكماءُ والعرفاءُ المسلمون في الدلالات والإشارات الظاهرة والضامرة لعيد الأضحى؛ وما بسطوه من وشائج دينية ورمزية عميقة تصلُ هذه السُّنة المؤكدة بشعيرة الحج، وما توسعوا فيه مما تحفل به هذه الشعيرة وتلك السُّنة من قيم دينية وتربوية وروحية كونية، تشرقُ بها آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ ويتجدد فهمُها مع من يبعثهمُ الله في كل مرحلة ليجددوا لهذه الأمة أمرَ دينها.
لفظتني هذه “المسابقةُ” إلى حمأة أسئلة لم تزل تأسرني في تفاصيلها العسيرة والمريرة: كيف نفهم اليوم “عيد الأضحى”؟ وما الذي يمَثِّلُه هذا العيد في ذاكرة ووجدان ووعي المسلم اليوم؟ ما علاقةُ نمط تعاطينا اليوم مع هذا “العيد” بالمنظومة الإيمانية والنسق العقدي والأبعاد التعبدية التي تؤطر “فلسفة التضحية” في الإسلام؟ كيف “اختطف” الواقعُ الاجتماعي والاقتصادي والطقوسي الأبعادَ الروحية والرمزية التي من أجلها سُن هذا العيد في المرجعية الدينية الإسلامية؟ كيف سطا ما هو تجاري واستهلاكي على ما هو ديني روحي في هذا “العيد”؟ ما هو مسار تحول هذه “السنة النبوية المؤكدة” إلى “ظاهرة طقوسية اجتماعية” تنعكسُ في ثناياها مختلفُ المفارقات والتناقضات والتمزقات التي يعيشها وعينا، ولا وعينا، الجَمعي !؟
فسواءٌ أكانت زاوية مقاربتنا “إيمانية” تنطلق من النسق الديني المؤطر و المشرعن لهذا “العيد”، أم كانت زاوية مقاربتنا ” تحليلية تاريخية ” لهذا النسق لا تنطلق ضرورةً من رؤية إيمانية؛ فإن مقارنةَ هذه الممارسة بنسقها التأطيري، أو قل مقارنة خطابِ الممارسة بممارسة الخطاب، يُفضي بنا إلى الإقرار بـ”الخلل” الكامن في تعاطي “المسلمين” اليوم مع شعيرة “عيد الأضحى”.
لقد أصبح هذا “العيد” خاضعا لمنطق “السوق” الاقتصادية القائم على العرض والطلب مع ما يخترقه من تنافس وتجاذب يحكمهما الربح والاستهلاك قيمتين مُسَيَّدتين على أي قيمة أخلاقية أو روحية مثل التكافل والتضامن والتراحم… إلخ؛ كما خضعَ هذا العيد لمنطق “السوق” الاجتماعية القائم على التباهي والمراءاة والنفاق الاجتماعي، أكثر من استجابته لقيم التراص، وصلة الرحم، والتصافح، والأخوة الإيمانية التي يجب أن تُسخر لدعمها مختلف المظاهرُ المادية للحياة.
إن تمزقَ علاقة هذا “العيد” بخلفيته الدينية العميقة، مع ما يُلاحظ من “محافظة” على الطقوس التي تُضفي عليه نوعا من شرعية الممارسة أكثر مما تعبر عن استمرار القوة الرمزية وامتداد التوهج الإيماني المطلوب من إحياء هذا “العيد”؛ ذاك التمزق يرجع، في نظرنا أساسا، إلى إخفاق الخطاب الديني للمعاصر في تجديد قراءته لـ”فلسفة التضحية” في هذه الشعيرة، تجديدا يَصل ما ورد فيها من نصوصٍ في القرآن الكريم والسنة النبوية، بالقيم الكونية التي سارت تدين بها ولها الإنسانيةُ اليوم؛ إذ كيف نفهم اليوم “التضحية” بهذا العدد الهائل من الأكباش والأغنام اقتصاديا واجتماعيا؟ بل كيف نفهم هذا “الفعل” وآثاره على الاقتصاد الزراعي؛ وعلاقته بفلسفة البيئة المعاصرة، وموقعه في مخططات الحماية البيولوجية ومؤسسات “الرفق بالحيوان”؟ وما صلة هذه “السُّنة” اليوم بقيم مناهضة العنف وتكريم الإنسان؟ هل يتعلق الأمر بنوع من استمرار لطقوس المجتمعات الزراعية وآثار حياتها الدينية البدائية المتمثلة في تقديم القرابين والذبائح لمعالجة ضعف البشر حيال قساوة الطبيعة المُفَسَّرة تفسيرا ما ورائيا، كما يفهم ذلك بعض الأنثروبولوجيين؟ أم يتعلق الأمر برؤية ميثية mythique مازالت تخترق بعض المجتمعات المعاصرة، والتي لم تُكمل بعد مسار تحديثها، والقائم أساسا على الإعلاء من شأن العقل والإنسان على ما سواهما؟…
إن هذه الأسئلة، وغيرها، تنطرح بقوة في عالم مفتوح “يُراقِبُ” ممارسة المسلمين لهذا العيد، من زوايا مختلفة إعلامية و علمية أنتروبولوجية وتاريخية نقدية، فضلا عن المراقبة المتربِّصة التي تروم الاستغلالَ الإيديولوجي لانزلاقات هذه الممارسة، لتغذية ما صار يعرف بـ”الإسلاموفوبيا” من جهة، أو لتقديم “تفسيرات” مُغرضة للعنف العالمي الذي يَلتصق في جل مناطق النزاع اليوم بحركات وجماعات وتنظيمات تنسبُ نفسها لـ “الإسلام” من جهة ثانية. والأخطر من هذا وذاك، أن ما يُسعف في تلك “التغذية” وهذا “الإغراض”، هو كثرة انزلاقات المسلمين في التعاطي مع هذه الشعيرة ، وعجز الصوت التيولوجي عن تجديد فهمه للعيد؛ وإعادة قراءة أبعاده واستنبات شرعيته الدينية وفق أسئلة العصر بما يُشكل عقلانية إيمانية معاصرة، تبرز القيم التي تطفح بها هذه الشعيرة، وتجعل المؤمن منسجما في لحظته الراهنة مع إيمانه وعصره في آن.
إن “عيد الأضحى”، وهو يستعيد إيمانياً وتعبديا الحدث الإبراهيمي- الإسماعيلي يشكل، بمعنى من المعاني، إعادة كتابة للتاريخ الديني الرمزي، ويوقع على استدامته من خلال ممارسة طقوسية تجعل من الدين معيشا مرئيا؛ فهل تمتلك هذه الاستعادةُ القدرةَ على الاستنبات الرمزي لذاك الحدث واستدامة دوره في تفجير التوهج الإيماني الخلاق؟؟
إن هذا الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا بقدرة الخطاب الديني على تجديد دم هذه الاستعادة، وذلك بإعادة قراءة سُنَّة “ابن الذبيحين” في استحضار الحدث الإبراهيمي- الإسماعيلي، و توليد معانٍ ودلالات جديدة من هذه السُّنة، وتحيين أبعادها وإشاراتها بما يجعل هذه القراءة تمتلك قوة محايثة مزدوجة؛ سواء حيال النصوص التأسيسية والتاريخ الديني والرمزي من جهة، أو حيال أسئلة المؤمن في عنفوان لحظته المعاصرة من جهة ثانية.
بهذا وحده يُمكن للمسلمِ أن يسكنَ الإسلامَ ويسكُنهُ في ضيافة كريمةٍ بالمعنى؛ أي في تجددٍ دائم لا في تشرد، إذا استعرنا لغة عبد الله حمودي في نص التصدير، لتصبح الغرابة حينئذ تجديدا للإيمان؛ لأنها غرابةٌ تقطن التكرار على حد تعبير أحد الفلاسفة، أي غرابة (جدة) المعنى التي تقطن تَكرار الشعيرة.
في غياب ذلك، سنظلُّ إزاء طقوس “قتل” مُقَنَّع بدل أن نكون إزاء شعيرة “نحر” لـ”ذِبْح عظيم”؛ كما سنظل إزاء مفارقاتٍ “مُمزِّقة” لوعينا الإيماني، كأن يقترضَ “المسلمُ” من بنك “ربوي” ما به يشتري أضحيةَ العيد، أو كأن يُشاركَ في مسابقة تافهة تغتالُ كلَّ أبعاد العيد الروحية والرمزية ليظفرَ بمكافأة تُسعفه على إراقة دم “أضحية”؛ يرى فيها اللحمَ والشحم ورائحة الشواء وتعاليق الجيران.. أكثر مما يرى فيها مطيتَه يوم القيامة على الصراط.
{jathumbnail off}



