الإسلام دعوة عالمية ورسالة إنسانية للتعاون والتعايش بين الجماعات والأمم والشعوب..؟

محمد السوسي
29 سبتمبر 2013

محمد السوسي*
محمد السوسي*
العالم الإسلامي والعالم العربي بالذات يعيش أسوأ أيامه في هذه المرحلة الدقيقة، والتي يحاول فيها الغرب الاستعماري أن يحدد مستقبل الشعوب الإسلامية لقرن من الزمان أو أكثر، لقد استطاع هذا الاستعمار أن يحدد مصير الأمة الإسلامية خلال القرن العشرين، بما حبكه من مكائد ودسائس خلال أواخر القرن التاسع عشر والتي بلغت أوجها في الحرب العالمية الأولى، عندما تمكن من إيهام القادة والزعماء العرب في أثناء هذه الحرب، وقبلها أنهم بإمكانهم ان يثوروا على الدولة العثمانية والاستقلال عنها، وإنشاء الخلافة العربية، وكانت النتيجة ما يعرفه الجميع وهو تقسيم البلاد العربية في الشرق نتيجة اتفاقية “سايكس بيكو” وإحكام القبضة الاستعمارية على بقية الدولة الإسلامية في إفريقيا بما فيها دول الشمال الإفريقي، وعلى الشعوب الإسلامية في الشرق الأقصى.. والتفاصيل معروفة للجميع، وهذا كلف المسلمين غاليا حيث انطلقت ثورات تحريرية في كل مكان، من أجل الاستقلال والحرية والوحدة، إذ رغم كل صنوف القمع وأساليب القهر كان الكل في العالم الإسلامي يشعر نفس المشاعر في الحرية والوحدة والتضامن، وفعلا تم التحرر ولكنه تحرر شكلي لأن الاستعمار عرف كيف يتمكن من التسلل من جديد وإحكام القبضة اقتصاديا وثقافيا وسياسيا بالتحالف مع النخب التي صنعها والتي تلتقي معه في المصالح والاستغلال والسيطرة والتحكم.
واليوم وقد بدأت الشعوب من جديد تتحرك فإن نفس المتحالفين هم نفسهم الذين يلتقون للانحراف بإرادة الشعوب في التحرر والوحدة وإذا كان الإسلام هو الذي وحد النضال والكفاح إذ كانت المسيرات والتحركات تنطلق بداية من المساجد والزوايا، كما هو مشاهد الآن ولهذا فإن الإسلام يجب أن يناله نصيبه من القمع والإبعاد.
هذا ما حصل أثناء مقاومة الاستعمار وهذا ما نشاهده اليوم على الساحات العربية والإسلامية خلال الأوضاع الثورية والقمع الموجه إلى المطالبين بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ولاشك أن مما يثير حفيظة أعداء الإسلام قديما وحديثا هو أنه:
أولا: هو أن هذا الدين مع كونه دينا يقاوم ويجاهد الا انه دين منفتح ومتفتح ويتجه إلى الناس جميعا.
ثانيا: دين يدعو إلى العدالة الاجتماعية ومحاربة الاستغلال والاحتكار والربح غير المشروع.
ثالثا: دين الشورى والديمقراطية ومحاربة الاستبداد والطغيان.
رابعا: دين للناس كافة ومن هنا جاءت محاربته للعنصرية والعصبية والطائفية والمذهبية الضيقة.
وعن الدعوة العالمية والإنسانية في الإسلام نعيد حديث سبق نشره بعد التحيين اللازم وذلك لأن الظروف تدعو أكثر ما تدعو الآن إلى التعاون والتعايش وتجاوز عوامل الشقاق والتفرقة والصراع.. والدعوة الى التعاون الإنساني جزء لا يتجزأ من الدعوة إلى التعاون بين المسلمين إذ الإسلام دعوة عالمية ورسالة إنسانية للتعايش بين الناس. وصدق الله العظيم، «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» والرحمة نتيجة للتعاون وتجاوز الأحقاد.

*********
إنسانية الدعوة
جاء الإسلام لغاية أساس، وهي توحيد كلمة الناس حول اله واحد ودين واحد، وأهداف موحدة و مشتركة، يعمل الناس جميعا من أجل الوصول إليها، وإبرازها في دنيا الواقع المعيش، ولهذا وجه الدعوة إلى الناس كافة. من غير أن تكون هذه الدعوة بلون معين. أو يحصرها في جنس دون آخر، أو طائفة دون غيرها، «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا»، فتوحيد الناس على كلمة سواء، هو مضمون دعوة النبي عليه السلام، ولذلك اتجه المسلمون الأولون إلى العالم اجمع، لإعطاء الطابع العام والشامل لهذه الدعوة، وهي دعوة لها طبيعة محددة، وخاصية عملية هي تحقيق النفع العام والخير الشامل للناس جميعا.
سرعة التجاوب
ومن هنا كان الناس جميعا معنيين بها، ومسؤولين جميعا على نجاحها. فهي دعوة اله الناس إلى كل الناس، وإذا كانت الطبيعة البشرية مختلفة فإنه ينتج عن ذلك ان تكون المواقف تجاه هذه الدعوة كذلك مختلفة ومتباينة، ودون ان ندخل في التفاصيل فإن هناك عناصر الخير الكثيرة التي تجاوبت مع هذه الدعوة وتفاعلت معها وبذلت الكثير من أجل نصرتها، وإخراجها من الإطار الإقليمي الضيق إلى المجال العالمي الأرحب والأوسع، الذي استهدفته من أول يوم، وما هي إلا لحظات من عمر الزمان، حتى حققت هذه الدعوة نصرا كبيرا، وفتحا عظيما، في جهات كثيرة من العالم القديم.
الدولة الجامعة
وما دامت هذه الدعوة دعوة جامعة، فإنها بادرت إلى تأسيس دولة جامعة لمختلف الشعوب والأجناس هي دولة الخلافة الإسلامية التي نشرت ألويتها في ربوع أجزاء كبيرة من الدنيا، فشعر الجميع بدفء عدالة الإسلام، واستظلوا بروح الأخوة الإسلامية، فكانت مشاعرهم مشاعر متجاوبة، وأحاسيسهم متوافقة فحققوا بذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد» فكان المسلم في الشرق يألم لما أصابه أخاه المسلم في الغرب، كما كان أخوه يبادله نفس الشعور، وكان هذا الشعور يحقق تضامنا ايجابيا بين المسلمين، فكنت ترى حشودا من المجاهدين تندفع للتطوع في جيش الإسلام لرد كيد الأعداء وحماية دعوة الخير، وصيانة العقيدة من المتحاملين عليها وهم أصناف متعددة، وعناصر متباينة يجمعها العداء للإسلام والمسلمين.
وجهات أربع متناسقة
والدعوة الإسلامية دعوة عالمية عقدية ودعوة عالمية حضارية وإن كان يصعب الفصل بينهما إذ الفصل بينهما هو مسار الصراع بين الناس اليوم، ومع ذلك فإننا نتحدث عن العالمية في مجال الدعوة وليس في المجال الحضاري هذه الدعوة الإنسانية العالمية التي أشار إليها الكاتب والباحث (مرسيل بوازر) في كتابه «إنسانية الإسلام» ولذلك للخلوص إلى هدف آخر من هذا الحديث هو أن الإسلام دين عالمي ولكنه دين التعايش المشترك بين الشعوب وفي هذا يقول مارسيل بوازر في ص: 172 وما بعدها من الترجمة العربية طبعة أولى 1980.
دين ومنهج اجتماعي
«إن في وسع الإسلام بوصفه دينا ومنهجا اجتماعيا معا أن يفصح بشأن العالمية عن خصائص شتى تبعا لأربعة وجهات نظر محتملة: الوجهة الماورائية، والوجهة الدينية، والوجهة الاجتماعية، والوجهة السياسية. ولا يمكن بالطبع أن ينتج عن هذه الرؤى الأربع مفاهيم متباينة تباينا أساسيا، لأنها صادرة عن مصدر واحد، غير أن التعبير عن الفكرة يمكن أن يتنوع بوصفه رد فعل منطقيا على وضع من نوع خاص. فالإيمان بالتوحيد المطلق وبوحدانية الله إيمانا معبرا عنه بقناعة وصلابة تتجاوز الصلابة القائمة في أي من الأديان الأخرى، يجعل من الإسلام على الصعيد الماورائي إيديولوجية عالمية بكل ما في الكلمة من معنى».
الفرد ليس غاية
هكذا يرى الكاتب الوجهات الأربع التي تنطلق منها العالمية ليتحدث عن مكانة الفرد في هذه الدعوة:
«والفرد، على الرغم من تمتعه بمصير مستعمل، ليس غاية بحد ذاته، بل هو عنصر من العناصر التي يتألف منها الكل. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه لما كان الكون محكوما بأحكام إلهية، فإن «المسلم» هو ذاك الذي يخضع لهذه المشيئة الاستعلائية المفارقة. والبشرية واحدة. وليس الناس متحدرين من صلب رجل واحد وحسب، بل هم صادرون أيضا عن إرادة مبدعة واحدة، إرادة الله الواحد. (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة).
نظام واحد
ومن هنا كان النظام الإسلامي نظاما عالميا واحدا وفي هذا يقول:
«ويستتبع التوحيد بطبيعته إذن وجود نظام واحد وإجمالي. والشريعة الخالدة عالمية. وعلاوة على هذا الجانب الجوهري، يشارك مفهوم الإنسان في طابع الإسلام الشمولي العالمي. فالإنسان معتبر في الواقع بوصفه إنسانا لأنه حر ومسؤول- ولكن ليس بمعزل عن غيره، لأنه في الوقت نفسه إنسان جماعي أو اجتماعي منذور للنعيم النهائي، ويطابق هذا المفهوم المزدوج للفرد على الصعيد الماورائي مفهوم العالمية المقبول بصورة عامة في الفسلفة الغربية الحديثة.
عالمية المبادئ الخلفية
ويركز الكاتب على الجانب المبدأي في الأخلاق الإسلامية فيقول:
«ويؤكد الإسلام إلى جانب ذلك عالمية المبادئ الخلقية توكيدا مضاعفا. ففي حين أن الأخلاقية الاجتماعية التي أتت بها المسيحية هي أساسا أخلاقية بين الأفراد، فإن الخلق الإسلامي بتوثيقه رباط الجماعة، ويصهر العواطف والأحاسيس، قاعدة الفضيلة العالمية، مع الأنظمة القسرية التي لا غنى عنها في الحياة الجماعية. ويفسر الطابع العالمي للخلق الإسلامي، بشكل جزئي ولا ريب، السرعة التي نفذ بها الإسلام ليبقى، إلى أكثر المناطق الجغرافية والأوساط الثقافية تنوعا. ولا يعادل هذه الظاهرة الدينية سوى ظاهرة المسيحية، بخلاف سائر الأديان الإفريقية والآسيوية التي لم تتعد قط حدود السياق التقليدي الذي أبصرت فيه النور».
العالمية بلا تعصب ولا سيطرة
إن الكاتب يشير هنا إلى ما يسمى في علم الاجتماع الديني بالديانات المنفتحة في مقابل الديانات المنعلقة ولاشك أن هناك اختلافا في الوسائل:
«وهنا يمكن أن يطرح السؤال لمعرفة ما إذا لم يكن في إمكان الناس استخدام دين عالمي وبعيد عن التعصب كالإسلام لأغراض امبريالية ولأجل السيطرة، في الوقت الذي يستند فيه مبدأ العالمية إلى مجتمع متجانس سياسيا، قوي عسكريا. يضاف إلى هذا أن عالمية الدين قد تستتبع شكلا من حصرية كامنة، لأن الشريعة الإلهية هي التي تنهج السبيل إلى نعيم الآخرة. ويستحسن قبل البحث من منظور عام عن خلاصة لمشكلة عالمية الإسلام أن نعالج مفهومها على المستوى الديني البحت. ولا نرانا في حاجة إلى التأكيد بأن هذا التقسيم اعتباطي للغاية بل مناف لروح الإسلام العام».     
تخيل الغربيين
ويتصدى الكاتب في الفقرة التالية لرد شبهة يثيرها الغربيون فيقول:
«لقد تخيل المؤلفون الغربيون تفسيرا –يخدش شعور المسلمين- مرتكزا إلى توقيت نزول شتى الآيات. ففي رأيهم أولا أن النبي محمدا قد يكون ربي ليكون رسول أمته، وقد تكون رسالته قدرت في البدء لتزويد العرب بكتاب ومرشد في لغة يفهمونها، لأنهم الشعب الوحيد الذي لم يكن قد تلقى بعد كتابا. ولا تكون عالمية الإسلام قد برزت بالتالي إلا خلال الحقبة الثانية من التبشير بالدعوة في المدينة، بفعل وعي المسلمين ضرورة تشكيل كيان مستقل، في الوقت الذي تمت فيه القطيعة مع اليهود. وقد يكون الإسلام فرض منذ ذلك الحين وحيا خالصا في مقابل كتب الإسرائيليين المشوهة أو المزيفة، وبدرجة أقل، في مقابل كتب المسيحيين».
خبث المستشرقين
ويبرز الباحث موقف المسلمين من هذه الشبهة
ويرفض المسلمون هذا البرهان المزعوم، ويعتبرونه خبثا من المستشرقين يراد من ورائه الإساءة إلى الإسلام. أولا لأنه لم يكن للنبي ناقل كلام الله الخالد الذي لا يحول أي دور فاعل في تأليف التنزيل، لا بالنسبة إلى الظروف المادية، ولا تبعا لرغبته الشخصية. ولا يمكن بالفعل أن تصدر طبيعة الرسالة الإلهية عن حاملها البشري. والقبول بتفسير يرتكز إلى التسلسل التاريخي معناه نكران صحة التنزيل الذي ينبغي أن يقبل على كل حال بوصفه كلا متلاحما: القرآن في صورته الكاملة والنهائية. زد على ذلك أن في الأمر تزييفا للتاريخ، لأن التنزيل توجه منذ البدء إلى جميع الناس: «إن هو إلا ذكر للعالمين».
مشاعر موحدة
هذه الذكرى الموجهة للعالمين خلقت جوا معاديا لدى خصوم الإسلام الذين سعوا لتمزيق وحدة المسلمين منذ اليوم الأول.
وإذا كان هؤلاء الأعداء قد وصلوا إلى خلق الدويلات المنفصلة هنا وهناك، فإن انفصال هذه الدويلات لم يكن إلا شكليا، لأن المشاعر الجامعة لا تزال موجودة في أوساط القاعدة والقمة معا، كما بقيت الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية واحدة ومتشابهة.
نسج الدسائس
غير أن خصوم الإسلام لم يقنعوا بما وصلوا إليه من نتائج، بل استمروا في تآمرهم، وواصلوا العمل في نسج الدسائس وافتعال أساليب الشقاق والتمزيق، وبمرور الزمن دب الوهن والفتور إلى النفوس فضعفت الروابط التي تجمع الأمة الإسلامية على الخير، وغلبت الطائفية على كثيرين وتحكم التعصب لهذا المذهب أو ذاك، فشجع ذلك الأعداء والخصوم على الإمعان في حبك خيوط التآمر وتوسيع الشقة، فنسبت الأقوال لهذا الطرف أو ذاك، كما تم تأليف الكتب والمقالات، ونظم القصائد وإسنادها إلى غير قائلها إذكاء لنار الفتنة، وزيادة في أحكام عوامل الفرقة والشتات.
عوامل القوة أقوى
ومع ذلك فإن عوامل الارتباط والاتصال سرعان ما تستعيد دورها وتأثيرها في النفوس، لاسيما إذا أتيح لها قائد ماهر، أو مصلح مخلص يعرف كيف يعيد للقلوب صفاءها وللعقول رشدها، ولمعاني الوحدة والتوحيد الإشراق في النفوس، والتحكم في الأقوال والأفعال، وهكذا بقي الوضع متأرجحا بين أن يتأثر المسلمون بمكائد ودسائس الأعداء، وبين أن تتمكن العناصر الوفية المخلصة لمبادئ الرسالة وتوجيهها في مراكز التأثير وصنع القرار، وفي الأوساط العامة، ويمكن اعتبار مرحلة الحروب الصليبية قمة بروز عناصر التآمر، إذ فيها نشطت الفئات الحاقدة والموتورة لتلعب دور الطابور الخامس.
نتائج دون مستوى النصر
ومع أن هذه الحروب انتهت باندحار الصليبيين فإن النتائج المترتبة عن هذه المعارك لم تكن في مستوى الانتصار الذي حققه المسلمون، بينما كانت هذه المرحلة نقطة تحول في الحياة الدينية والعقلية لدى الغربيين، فإنها بالنسبة للمسلمين أنتجت عكس ما كان مؤمولا، إذ اتجه المسلون إلى التواكل، وإهمال الوسائل الكفيلة بنهوضهم واستعادة الوحدة التي أصيبت في الصميم.
اختلال في ميزان القوة
وعندما تمت المواجهة من جديد بين عالم الإسلام والغرب كان البون شاسعا والفرق كبيرا بينها، فالغرب مجهز بأفكار جديدة ومعدات جديدة وإستراتيجية جديدة بينما عالم الإسلام كان يغط في نوم عميق فكانت نتيجة إخلال الموازن والمقاييس احتلال الغرب الإسلامي وتجزئته وفرض أفكاره وقيمه عليه، واستعمل في ذلك ما هو معروف من رجال الإشراق والتبشير بجانب قادة الجيوش والأساطيل وقد انبرى العالم الإسلامي ممثلا في قادة النهضة وزعماء التحرير لهذه الهجمة الجديدة مستنجدا بما في العقيدة الإسلامية من عوامل الإحياء والاستمرار، وفي مقدمة كل ذلك العقيدة الصحيحة السليمة وروح الجهاد الكامنة في النفوس فأنتج ذلك الدعوة إلى الجامعة الإسلامية وليس هناك ما يرهب خصوم الإسلام أكثر من عقيدة صحيحة وروح جهادية متأججة ووحدة صفوف متراصة.
استهداف جديد
لذلك اتجه التآمر الجديد إلى هذه العناصر الثلاثة للقضاء عليها قبل أن تثمر الثمار الضرورية التي من شأنها ان تثمرها، وهي استعادة المبادرة من جديد. لاسيما أن فكرة التضامن والوحدة بين المسلمين برزت في شكل مشاريع ومواقف كالمساهمة في بناء الخط الحديدي في الحجاز عن طريق الاكتتاب بين المسلمين وكالتضامن الفعلي والايجابي مع الليبيين في حرب طرابلس 1911م، وعلى أي حال فإن الغربيين لم يخفوا في أي وقت من الأوقات أن حربهم هي حرب ضد الإسلام والمسلمين قبل كل شيء.  
ما تخفيه النوايا
ولذلك فلا تستغرب ان يظهر ذلك في التصريحات التي يدلي بها قادة الحملات الاستعمارية في مراحل مختلفة، فهم اعتبروا ان احتلال البلدان الإسلامية هو استمرار للحروب الصليبية ونهاية لها، غير أن ما اعتبر في نظرهم نهاية ليس إلا نهاية لمعركة إذ سرعان ما استعاد المسلمون روح الجهاد التي خبت في النفوس فظهرت بطولات جديدة في معارك عنيفة ومشهورة ضد الاستعمار الغربي، هذه المعارك التي أظهرت روح التضامن العفوي بين المسلمين، وهذا ما دفع أوروبا إلى الاستنجاد بأساليب التآمر الخفي، فهم لن يرضوا في يوم من الأيام باتحاد المسلمين وتضامنهم لأنهم يعتبرون ذلك مسا بمصالحهم، فضلا على أنه مما يهدد التوازن المطلوب على المستوى العالمي.
التوازن المطلوب
والتوازن المطلوب من طبيعة الحال هو التوازن الذي يحمي المصالح الغربية فباسم هذا التوازن والمصالح وضعت المشاريع للقضاء على الدولة العثمانية وهذا التوازن هو الذي استعمل كذلك في توزيع المناطق الاستعمارية ومناطق الامتداد، انه التوازن الذي جعل الغرب ينقض العهود والمواثيق التي التزم بها للعرب في الحرب العالمية الأولى، إبان ما يسمى بالثورة العربية الكبرى التي حولها الغربيون إلى روح العصبية القومية في وجه ما خلقوه لدى الأتراك من عصبية قومية، وهذا في حقيقة الأمر تنفيذ لخطة كبرى لتمزيق الشعور الإسلامي، وتحويل المسلمين إلى الوطنيات والقوميات الضيقة.
سعي متواصل
ولا يزال هذا النهج هو الذي يسير فيه الغرب فكلما ظهرت بادرة أمل في توحيد الصف الإسلامي واستعادة المسلمين لشعورهم الأصيل في الوحدة وفي المصير المشترك كلما تحركت العناصر التي تعمل في الظلام لدرء الخطر الماثل وليس هذا من الأشياء التي يحتاج الإنسان إلى كبير عناء لإدراكها، فهي مما يكتبه الغربيون ويذيعونه بين الناس ويسخرون له الأقلام والأموال والمؤتمرات.
إحياء النعرات
وفي السنين الأخيرة بصفة خاصة حيث برز الشعور الإسلامي متأججا في النفوس، كانت النتيجة ما نشاهده اليوم من إحياء النعرات القبلية والعرقية من فرس وعرب وغيرهم عفا عليها الزمان وإذكاء نار الحروب الطائفية والمذهبية، كما نراهم يعيدون شعارات يعلمون جميعا أنها من وضع المتآمرين على المسلمين منذ القديم. وهكذا نرى الأقلام من هذا الجانب وذاك قد صقلت لرمي الأطراف بعضها ببعض بالكفر والإلحاد والمروق في الدين.
الأقوال الشاذة
ونشطت حركة التأليف المذهبي، ووقع البحث عن الأقوال الشاذة في هذا المذهب أو ذاك، لنشرها وإذاعتها بين الناس، وإذا كان هناك من يفعل ذلك عن حسن نية واعتباره قربة يتقرب بها إلى الله فإن النتيجة والوضع السياسي على ما هو عليه ليست لصالح وحدة المسلمين على أي حال.
صراع مدمر
إن الصراع المحتدم الآن بين المسلمين لا يستفيد منه إلا خصومهم فثرواتهم هي التي تبدد وتستنزف ودماؤهم هي التي تسفك وبيوتهم ومصانعهم هي التي ينالها الدمار والخراب، ومسؤولية عقلاء المسلمين من كل الجهات والأطراف هي التنادي إلى حكم الإسلام وإصلاح ذات البين وعلاج الخلافات والمشاكل بروح الإسلام السمحة الواسعة لا بروح المذهبيات والقوميات  لأن خصوم المسلمين لا يريدون إلا أن نحتكم إلى قيم ومعاير وضعوها هم وتخدمهم وتخدم مصالحهم قبل ان تخدم الإسلام والمسلمين، ان نصوص الكتاب والسنة واضحة في دعوتها إلى وحدة الصف والكلمة واضحة كذلك في أسلوب فض النزاعات ولكن الذي يجري اليوم على الساحة وفي رقعة العالم الإسلامي يتجه كل الاتجاهات إلا إلى الاتجاه الصحيح وهو الاحتكام إلى الكتاب والسنة.
الطائفية ليست من الإسلام
فالعالم الإسلامي اليوم يظهر مع الأسف الشديد وكأن دعاة الطائفية والعرقية والعصبيات القومية قد حققوا مبتغاهم ونالوا أمانيهم، وأصبحت الصحوة الإسلامية التي كانوا يخشون باسها منشغلة بالوضع المفتعل وبالنار المتأججة في محاولة لإطفائها.
ان الصراع الجاري في أغلب أجزاء العالم الإسلامي جاء رد فعل على الحكم المستبد والذي استطاع ان يحول ما قام به المجاهدون والمناضلون في القرن العشرين من أجل طرد المستعمر هذا المستعمِر (بالكسر) الذي استطاع ان ينحرف بالثورات التحريرية في العالم الإسلام وأن يجعلها في خدمته بعدما اغرق العالم الإسلامي بالديون التي أنفقت في غير محلها واستعملها الحكام الفاسدون لأهداف غير الأهداف المطلوبة والمنتجة.
الفجر المنتظر
ومهما يكن الواقع مؤلما، والأفق ملبدا بالغيوم فإن الفجر دائما يعقب الظلام الدامس وينبثق من خلال العتمة القاتمة فالروح الإسلامية ستتغلب مهما كانت الظروف والأحوال والمكر السيئ لن يحيق الاباهلة، لقد قال أحد الكتاب الغربيين أنفسهم وهو بصدد دراسة الإسلام ان الإسلام هو إرادة العيش المشترك، والمسلون يريدون ان يعيشوا ولن يعيشوا إلا كما أرادهم الإسلام متضامنين في السراء والضراء كما قال عليه السلام: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).

* أستاذ الفكر الإسلامي
مستشار برلماني
المفتش العام لحزب الاستقلال

{jathumbnail off}

أستاذ الفكر الإسلامي

مستشار برلماني

المفتش العام لحزب الاستقلال

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...