رابع رمضان 1019: استيلاء نصارى الإصبنيول على العرائش


قال الناصري: “والسبب في ذلك: قد تقدم لنا ما كان من خبر الشيخ المأمون من أنه فر إلى العرائش، ومنها ركب البحر إلى طاغية الإصبنيول مستصرخا به على أخيه السلطان زيدان، فأبى الطاغية أن يمده، فراوده الشيخ على أن يترك عنده أولاده وحشمه رهنا ويعينه بالمال والرجال حتى إذا ملك أمره بذل له ما شارطه عليه، ولم يزل به إلى أن شرط عليه الطاغية أن يخلي له العرائش من المسلمين ويملكه إياها، فقبل الشيخ ذلك والتزمه.
وخرج حتى نزل حجر باديس في ذي الحجة سنة ثمان عشرة وألف (1018)، ثم تقدم فنزل ببلاد الريف.
ولما سمع ذلك أهل فاس خافوا من شوكته، وذهب جمع من علمائهم وأعيانهم، كالقاضي أبي القاسم بن أبي النعيم، والشريف أبي إسحاق إبراهيم الصقلي الحسيني وغيرهما، لملاقاته وتهنئته بالقدوم، فلما وصلوا إليه فرح بهم وأمر قبطان النصارى أن يخرج مدافعه وأنفاضه إرهابا وإظهارا لقوة النصارى الذين استنصر بهم، ففعل حتى اصطكت الآذان وارتجت الجبال.
ونزل القبطان من السفينة للسلام على الأعيان فلما رأوه مقبلا أمرهم الشيخ بالقيام له فقاموا إليه أجمعون وجازوه خيرا على ما فعل مع الشيخ من الإحسان والنصرة وسلم هو عليهم بنزع قلنسوته على عادة النصارى.
وأنكر الناس على أولئك الأعيان قيامهم للكافر، وضربوا بعصى الذل، حتى أنهم في رجوعهم إلى فاس، تعرض لهم عرب الحياينة، فسلبوهم وأخذوا ما معهم وجردوهم من ملابسهم جميعا ما عدا القاضي ابن أبي النعيم فإنه عرف بزي القضاء فاحترموه.
ثم إن الشيخ انتقل إلى القصر الكبير وهو قصر كتامة وقصر عبد الكريم، فأقام به مدة وراود قواده ورؤساء جيشه أن يقفوا معه في تمكين النصارى من العرائش ليفي له الطاغية بما وعده من النصرة، فامتنع الناس من إسعافه في ذلك ولم يوافقه على غرضه إلا قائده الكرني، فإنه ساعده على ذلك، فبعثه الشيخ إليها وأمره أن يخليها ولا يدع بها أحدا من المسلمين.
فذهب الكرني المذكور وكلم أهلها في ذلك، فامتنعوا من الجلاء عنها، فقتل منهم جماعة وخرج الباقون وهم يبكون تخفق على رؤوسهم ألوية الصغار.
ولما خرج منها المسلمون أقام بها القائد الكرني إلى أن دخلها النصارى واستولوا عليها في رابع رمضان سنة تسع عشرة وألف.
ووقع في قلوب المسلمين من الامتعاض لأخذ العرائش أمر عظيم، وأنكروا ذلك أشد الإنكار.
وقام الشريف أبو العباس أحمد بن إدريس العمراني ودار على مجالس العلم بفاس، ونادى بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش، فانضاف إليه أقوام وعزموا على التوجه لذلك، ففت في عضدهم قائدهم حمو المعروف بأبي دبيرة وصرف وجوهم عما قصدوه في حكاية طويلة.
وكان الشيخ لما خاف الفضيحة وأنكار الخاصة والعامة عليه إعطاءه بلدا من بلاد الإسلام للكفار، احتال في ذلك، وكتب سؤالا إلى علماء فاس وغيرها يذكر لهم فيه: أنه لما وغل في بلاد العدو الكافر واقتحمها كرها بأولاده وحشمه منعه النصارى من الخروج من بلادهم حتى يعطيهم ثغر العرائش، وأنهم ما تركوه خرج بنفسه حتى ترك لهم أولاده رهنا على ذلك، فهل يجوز له أن يفدي أولاده من أيدي الكفار بهذا الثغر أم لا؟
فأجابوه بأن فداء المسلمين سيما أولاد أمير المؤمنين سيما أولاد سيد المرسلين من يد العدو الكافر بإعطاء بلد من بلاد الإسلام له جائز، وإنا موافقون على ذلك.
ووقع هذا الاستفتاء بعد أن وقع ما وقع، وما أجاب من أجاب من العلماء عن ذلك إلا خوفا على نفسه، وقد فر جماعة من تلك الفتوى، كالإمام أبي عبد الله محمد الجنان صاحب الطرر على المختصر، وكالإمام أبي العباس أحمد المقري مؤلف نفح الطيب، فاختفيا مدة استبراء لدينهما حتى صدرت الفتوى من غيرهما.
وبسبب هذه الفتوى أيضا فر جماعة من علماء فاس إلى البادية، كالشيخ أبي علي الحسن الزياتي شارح جمل ابن المجراد والحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي وغيرهما.
بقية أخبار الشيخ ومقتله رحمه الله وتجاوز عنه
ثم إن الشيخ ابن المنصور نزل بالفحص واجتمعت عليه لمة من أهل الذعارة والفساد على شاكلته فنهض بهم إلى تطاوين فاستولى عليها وأخرج منها كبيرها المقدم المجاهد أبا العباس أحمد النقسيس.
ولم يزل الشيخ يجول في بلاد الفحص ويعسف أهلها إلى أن ملته القلوب وتمالأ أشياخ الفحص على قتله لما رأوا من انحلال عقيدته ورقة ديانته وتمليكه ثغر الإسلام للكفار ففتك به المقدم أبو الليف في وسط محلته بموضع يعرف بفج الفرس.
وبقي صريعا مكشوف العورة أياما حتى خرج جماعة من أهل تطاوين فحملوه مع من قتل معه من أصحابه كالدبيريين وبعض أولاده ودفنوهم خارج تطاوين إلى أن حمل الشيخ إلى فاس الجديد مع أمه الخيزران فدفنا به.
وكان مقتله خامس رجب سنة اثنتين وعشرين وألف (1022).



