رابع رمضان 172هـ: بيعة أهل المغرب للمولى إدريس الأكبر


فأجاره وأكرمه وجميع البربر على القيام بدعوته وخلع الطاعة العباسية.
وبايعه أهل المغرب من العام نفسه يوم الجمعة رابع رمضان، تفاصيل هذا الحدث التاريخي نقف عليها في كتاب الاستقصا:
قال ابن أبي زرع في كتاب “القرطاس”: إن إدريس بن عبد الله لما قتلت عشيرته بفخ فر بنفسه متسترا في البلاد يريد المغرب، فسار من مكة حتى وصل إلى مصر ومعه مولى له اسمه راشد، فدخلها والعامل عليها يومئذ لبني العباس هو علي بن سليمان الهاشمي.
فبينما إدريس وراشد يمشيان في شوارع مصر، إذا مرا بدار حسنة البناء فوقفا يتأملانها، وإذا بصاحب الدار قد خرج فسلم عليهما وقال: ما الذي تنظرانه من هذه الدار؟ فقال راشد: أعجبنا حسن بنائها، قال: وأظنكما غريبين ليسا من هذه الدار، فقال راشد: جعلت فداك إن الأمر كما ذكرت. قال: فمن أي الأقاليم أنتما؟ قالا: من الحجاز. قال: فمن أي بلاده؟ قالا: من مكة.
قال: وأخالكما من شيعة الحسنين الفارين من وقعة فخ. فَهَمَّا بالإنكار ثم توسما فيه الخير، فقالا: أرأيت إن أخبرناك من نحن أكنت تستر علينا؟ قال: نعم ورب الكعبة، وأبذل الجهد في صلاح حالكما. فقال راشد: هذا إدريس بن عبد الله بن حسن وأنا مولاه راشد، فررت به خوفا عليه من القتل، ونحن قاصدون بلاد المغرب. فقال الرجل: لتطمئن نفوسكما فإني من شيعة آل البيت، وأول من كتم سرها، فأنتما من الآمنين. ثم أدخلهما منزله، وبالغ في الإحسان إليهما.
فاتصل خبرهما بعلي بن سليمان صاحب مصر، فبعث إلى الرجل الذي هما عنده، فقال له: إنه قد رفع إلي خبر الرجلين الذين عندك، وإن أمير المؤمنين قد كتب إلي في طلب الحسنين والبحث عنهم، وقد بث عيونه على الطرقات وجعل الرصاد على أطراف البلاد فلا يمر بهم أحد حتى يعرف نسبه، وإني أكره أن أتعرض لدماء آل البيت فلك ولهم الأمان، فاذهب إليهما وأعلمهما بمقالي وأمرهما بالخروج من عملي، وقد أجلبتهما ثلاثا.
فسار الرجل فاشترى راحلتين لإدريس ومولاه واشترى لنفسه أخرى ووضع زادا يبلغهما إلى إفريقية، وقال للراشد اخرج أنت مع الرفقة على الجادة، وأخرج أنا وإدريس على طريق غامض لا تسلكه الرفاق، وموعدنا مدينة برقة.
فخرج راشد مع الرفقة في زي التجار، وخرج إدريس مع المصري فسلكا البرية حتى وصلا إلى برقة، وأقاما بها حتى لحق بهما راشد، ثم جدد المصري لهما زادا وودعهما وانصرف.
وسار إدريس وراشد يجدان السير حتى وصلا إلى القيروان، فأقاما بها مدة، ثم خرجا إلى المغرب الأقصى.
وكان راشد من أهل النجدة والحزم والدين والنصيحة لآل البيت، فعمد إلى إدريس حين خرجا من القيروان فألبسه مدرعة صوف خشينة وعمامة كذلك وصيره كالخادم له يأمره وينهاه، كل ذلك خوفا عليه وحياطة له، ثم وصلا إلى مدينة تلمسان فأراحا بها أياما، ثم ارتحلا نحو بلاد طنجة، فسارا حتى عبرا وادي ملوية ودخلا بلاد السوس الأدنى وتقدما إلى مدينة طنجة، وهي يومئذ قاعدة بلاد المغرب الأقصى وأم مدنه، فأقاما بها أياما فلما لم يجد إدريس بها مراده خرج مع مولاه راشد حتى انتهيا إلى مدينة وليلى، قاعدة جبل زرهون، وكانت مدينة متوسطة حصينة كثيرة المياه والغروس والزيتون، وكان لها سور عظيم من بنيان الأوائل يقال إنها المسماة اليوم بقصر فرعون، فنزل بها إدريس على صاحبها ابن عبد الحميد الأوروبي.
فأقبل عليه ابن عبد الحميد وبالغ في إكرامه وبره، فعرفه إدريس بنفسه وأفضى إليه بسره فوافقه على مراده، وأنزله معه في داره وتولى خدمته، والقيام بشؤونه.
وكان دخول إدريس المغرب ونزوله على ابن عبد الحميد بمدينة وليلى غرة ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين ومائة.
بيعة الإمام إدريس بن عبد الله رضي الله عنه
لما استقر إدريس بن عبد الله بمدينة وليلى عند كبييرها إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوروبي أقام ستة أشهر.
فلما دخل شهر رمضان من السنة، جمع ابن عبد الحميد عشيرته من أوربة وعرفهم بنسب إدريس وقرابته من رسول الله، وقرر لهم فضله ودينه وعلمه واجتماع خصال الخير فيه، فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا به وشرفنا بجواره، وهو سيدنا ونحن العبيد، فما تريد منا؟
قال: تبايعونه. قالوا: ما منا من يتوقف عن بيعته.
فبايعوه بمدينة وليلى يوم الجمعة رابع رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعين ومائة. وكان أول من بايعه قبيلة أوربة على السمع والطاعة والقيام بأمره والاقتداء به في صلواتهم وغزواتهم وسائر أحكامهم، وكانت أوربة يومئذ من أعظم قبائل البربر بالمغرب الأقصى وأكثرها عددا.
وتلتها في نصرة إدريس والقيام بأمره “مغيلة” و”صدينة” وهما معا من ولد “تامزيت بن ضرى”.
ولما بويع إدريس رحمه الله خطب الناس فقال:
بعد حمد الله والصلاة على نبيه.. أيها الناس لا تمدن الأعناق إلى غيرنا فإن الذي تجدونه من الحق عندنا لا تجدونه عند غيرنا.
ثم بعد ذلك وفدت عليه قبائل زناتة والبربر مثل زواغة وزواوة وسدراتة وغياثة ومكناسة وغمارة، وكافة البربر بالمغرب الأقصى، فبايعوه أيضا، ودخلوا في طاعته، فاستتب أمره وتمكن سلطانه وقويت شوكته، ولحق به من اخوته سليمان بن عبد الله، ونزل بأرض زتاتة من تلمسان ونواحيها.



