على درب تكفير أحمد عصيد؟ وعلى درب المطالبة برأسه؟

الدكتور محمد وراضي
8 مايو 2013

الدكتور محمد وراضي
الدكتور محمد وراضي
إن الضجة الإعلامية المثارة حول الكاتب الأمازيغي أحمد عصيد، دفعت بجهات فاعلة إلى التدخل، إما للتأييد وإما للاعتراض والاستنكار والاستهجان، إلى حد المطالبة بمحاكمته.

ويهمني أن أدلي برأيي في قضية تهم كافة المغاربة فأتساءل:
هل بمقدور عقلاء المغرب الحالي إيجاد حل لمعضلة لن ينفع فيها التهديد بالمحاكمة، ولا حتى التهديد بالقتل، بقدر ما ينفع فيها الحوار، والتواصل، واالتفاهم، والدفع بالتي هي أحسن، والمقارعة بالحجج والبراهين للإقناع، لا للإغراء؟
إن حرق كتاب “إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي – وأنا شخصيا من ضمن خصوم صاحبه – لم يحل المشكل، نقصد ما يحمله من مسمى “علوم المكاشفة”. فقد كان ينبغي أن يحرق بالقلم لا بالنار، كما قال لي صديقي العلامة الراحل: محمد العثماني رحمه الله.
ولن أشغل بالي بما صدر عن أصحاب ثمان صور تحملها الصفحة (14) والصفحة (15) من جريدة الأسبوع الصحفي بتاريخ 2-5-2013م. ومن ضمنهم: محمد الفيزازي، وعمر الحدوشي، وعبد الله النهاري. لن أشغل بالي بما نسب إليهم من كلام في موضوع تعامل عصيد مع النبي ص. فلدي – وقد أمعنت النظر فيما قالوه – تساؤلات، أراها تتقدم أي حكم مبتسر على الرجل. حيث إن الإجابة عليها من طرف المستنكرين المستهجنين لما صدر منه – وهذا من حقهم – بمثابة تمهيد للتفكير في حل صائب عادل لمعضلة عصيد التي هي مجرد عينة من عينات غيرها تعج بها الساحة الفكرية المغربية منذ عهد بعيد ولا تزال!!!
تساؤلاتنا هي باختصار شديد: هل نحن كمغاربة نعيش في ظل دولة إسلامية؟ أم إننا نعيش في ظل دولة علمانية بوجهها اللبرالي؟ أو بوجهها الاشتراكي الديمقراطي؟ أو بوجهها الاشتراكي الثوري، يعني الشيوعي؟ أم إننا نعيش في ظل دولة لا رأس لها ولا ذنب كما يقال. نقصد بلا هوية حقيقية محددة؟
إن من حملتهم الغيرة الدينية على محاكمة عصيد، ملزمون بتقديم إجابة شافية إلى الأمة المغربية على ما قدمناه للتو من تساؤلات. يعني أننا في انتظار رد عقلاء المغرب من إسلاميين بالمفهوم السياسي، ومن غيرهم بنفس المفهوم إن أردنا الدقة في التعبير. كما أننا في انتظار إجابات السلفيين تحديدا عبر الأفكار التي يحملونها ويدافعون عنها، ويدعون إليها، ويتحمسون لها كخصوم لأطراف لا تشاركهم الرأي، ولا تقاسمهم نفس الهم والمعاناة، ولا تجاريهم في البحث عن نظام يحل محل النظام القائم، بحجة أنه غير إسلامي، وإلا فأية بواعث جعلتهم يرنون إلى إقامة نظام إسلامي حقيقي غير مهلهل وغير مرقع، وغير ملفق، على أنقاض ما هو موجود ماثل للعيان؟
وإن نحن استبعدنا خصوصيات كل جماعة إسلامية على حدة، واكتفينا بالقاسم المشترك الذي يجمع بينها، وليكن هو التطلع إلى تفعيل شرع الله وتحكيمه في دولة، لم يلغ فيها العمل بالشريعة إلا بعد دخول الاستعمار، ليدشن بحضوره وبتخطيط منه، تفعيل القوانين الوضعية التي باركتها حكومة المخزن الشريف حتى الآن! مع أنه كان من المفروض في ظل الاستقلال، أن يتم الرجوع إلى الأصول والمنابع، لكن هذا لم يحدث، وهو الذي يطالب به الإسلاميون بالمفهوم السياسي والديني في الآن ذاته.
يعني أن الإسلاميين ككتلة متحدة، يدركون تمام الإدراك أن العلمانية هي السائدة وهي الحاكمة والمتحكمة والآخذة بزمام الأمور! وأن الشريعة هي الغائبة المهانة المحتقرة من أطراف علمانية جاحدة معترضة أو معارضة! وأن عملهم الجهادي (= النضالي) لا يستهدف غير إعادة المشروعية التاريخية إلى العلاقة بين الحكام والمحكومين، والتي كانت تحكمها لوازم المبايعة، بدلا من المشروعية الدخيلة المستوردة المفصولة جذورها عن منابتها في عقول وفي مشاعر الغالبية العظمى من الشعب المغربي!
ومتى اقتنع الإسلاميون ككتلة بهذا الطرح – وهو طرح واقعي ملموس – فكيف تتم لهم المطالبة برأس رجل مجبر على العيش في إطار دولة غاب عنها تطبيق شرع الله في تسيير شؤون البلاد العامة والخاصة إلى حد بعيد! والحال أن أحمد عصيد لا يشكل – كما سبق القول – غير عينة واحدة ممن يسبون الدين ويستهزئون بالرسول، إلى حد كذبهم عليه في واضحة النهار! وبمساندة من الدولة القائمة! مع الإشارة الفورية إلى أن السخرية منه والكذب عليه ص، لم يكن يصدر عن العلمانيين دون من سواهم من المغاربة! وإنما صدر قبلهم ويصدر عمن يكرمهم حكامنا ويمدونهم بالمال، ويعملون على تأطيرهم وترسيخ وجودهم لخدمة أغراض سياسية، ليست لها بالدين أية علاقة! والأدلة على ما ندعيه متوفرة، بحيث إنه من واجبنا أن ندل عليها حكامنا. كما أنه من حقنا أن نطالبهم بمحاكمتهم العلنية، لقيامهم بجرائم ضرت وتضر بالدين كتابا وسنة وإجماعا!
ولوضع اليد على عينات غير “عصيدية” تسيء إلى الدين، والتي تقدر بالآلاف (وجلها مخدوع)، نتذرع بهذه التساؤلات التي تكشف الغطاء عن واقع يحتم على الحكام القيام بحملات تداهم فيها البيوت، ويؤخذ أثناء مداهمتها بتلابيب من لا تسعهم السجون المغربية من طنجة إلى الكويرة! هذا إن كانت الدولة جادة في خدمة الدين، وجادة في ملاحقة الملاحدة والمفسدين عبرالتراب الوطني! مع الإشكال الذي يطرحه وضع من تسند إليهم مهمة “تقصي الحقائق”! فضلا عن الإشكال الذي يطرحه وضع الآمرين بتقصيها!

فما الذي نريد توضيحه؟ أو ما هي بالتحديد تساؤلاتنا؟
نسأل العلمانيين أينما وجدوا: هل تؤمنون بالعناية الإلهية؟ وهل تؤمنون بعدالته عز وجل؟ وأخيرا هل تؤمنون بكماله سبحانه؟
إن جاء ردهم إيجابيا على الأسئلة المطروحة، نزلنا بهم إلى الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لاختبار كونهم لا ينكرون القبول بالثلاثي الذي سقناه على الفور. أما إن جاء ردهم سلبيا مخيبا للأمل، فإنهم يعترفون صراحة بأنهم لا يمؤمنون بالله ذاته! وكيف لهم بعد ذلك أن يؤمنوا بتوابع الإيمان به؟
لنقل جدلا إنهم يؤمنون بالثالوث المشار إليه، تماما كبقية المسلمين الذين لا يخامرهم أدنى شك في كونه سبحانه يشمل عامة مخلوقاته برعايته وبعنايته. وأدلتنا على ما ندعيه لا تعد ولا تحصى. فالدين في مجمله يستهدف تحقيق المصالح ودفع المضار لفائدة الإنسانية جمعاء. فالدعوة إلى الصبر وكظم الغيظ وتقديم العفو على ردود فعلية متسرعة غير محسوبة العواقب، تدريب للنفس على مقاومة الانفعالات بأقصى ما يمكن من سهولة ويسر، لأن الانفعالات تؤذي الأجساد كما تؤذي النفوس. إنها إذن عناية الله الواضحة بتوفير التوازن النفسي للإنسان في مجتمع يسود فيه العدل من خلال تطبيق الشرع الشامل الذي لا يرفع فيه القوي على الضعيف، ولا يعلو فيه صوت المستكبرين على صوت المستضعفين.
ولتجسيد العناية الإلهية بأمثلة مادية محسوسة، نستحضر بعضا من المحرمات العشر التي يمكن الاحتكام بخصوصها إلى العلم، لا إلى الدين، ولا إلى العقل، لأن نتائج الاحتكام إليه، سوف تفنذ مزاعم المنكرين للعناية الإلهية ولكماله ولعدله تعالى!!!
فلماذا حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير والزنا كمجرد أمثلة، دون تقديم بقية أخواتها وما أكثرها؟
يقدم لنا الدكتور إدريس بنيوسف (دكتور في الطب. مجاز في الحقوق. أستاذ سابق للرياضيات) في كتابه القيم “القرآن والطب الحديث” إجابات لن ينكرها إلا الجاحدون لمجرد الجحود!
قال: “حرم الله الميتة لعدة أسباب: أولها أن البهيمة قد تصبح ميتة إثر مرض أصابها وانتشر فيها قبل أن يظهر خارجيا عليها. مثال ذلك داء التفوييد.. الطاعون.. الكزاز.. أو تسمم إثر عظة أفعى”ألخ. وحرم الله الدم المسال لأنه يعتبر “وسطا ملائما تنمو فيه الميكروبات وتتكاثر لما تجد فيه من غداء كامل ومقومات ملائمة” ألخ. أما تحريم لحم الخنزير، فلكون هذا الحيوان نفسه “حيوان قذر يأكل النجاسات ويرعى ويتمرغ فيها وتحيط به روائحها… تشمئز النفوس من مظهره… ونعلم ما في النجاسات من طفيليات متعددة وجراثيم مختلفة، وبيض طفيليات”. فضلا عن كون لحمه “يسبب أمراضا كثيرة، كما أنه يحتوي على أكبر كمية من سم “حامض الأوريك” من بين سائر الحيوانات التي على ظهر الأرض” ألخ. أما الزنا فحرم للأخطار المحذقة بممارسيه. فهناك الأمراض الخطيرة الناجمة عنه، والتي لها تأثير سيء على الصحة والذرية – دون الدخول في التفاصيل – وهناك اختلاط الأنساب، وهتك الأعراض، وهدم كيان الأسر، فضلا عن أمراض يقدم الطب الحديث نماذج منها متعددة. كالزهري، والسيلان الذي هو تقيح المجرى البولي عند الرجل، والفرج عند المرأة، بغض النظر عن مسمى “القرحة الآكلة” و”القرحة الرخوة” و”الورم الحبيبي لجدار الفخد”. إلى آخر ما أمتعنا بشرحه صاحب الكتاب المذكور قبله.
وبالإمكان وضع مؤلف قائم الذات عن “العناية الإلهية” التي لا تنحصر في حدود ما يتصل بقضايا مادية وبأخرى معنوية خاصة، بل إنها تشمل كذلك كافة المجالات التي تندرج تحتها الأحكام الشرعية العملية بدون ما استثناء.
وحتى نوضح الغاية مما حاولنا شرحه بمناسبة حضور الله عز وجل في حياتنا كمعين حدد لنا سبل جني ثمار جهدنا لكسب أكبر قد ممكن من المنافع، ولدرء أكبر قدر ممكن من المضار عنا، نحذر كل العلمانيين المؤمنين بالعناية الإلهية، من أن يصل بهم التهور إلى حد السخرية من شرع الله، بحيث إنهم ينظرون إليه كأحكام أو كضوابط للحياة تجاوزها الزمن، لأنهم لو فعلوا لسقطوا في كمين رفض العناية الإلهية من جهة، وطعن في رسول الله من جهة ثانية! وفي نفس السياق، يتم اعتبارهم غير مؤمنين بالمرة! ما داموا يرفضون الاعتراف بعنايته سبحانه. ومن ثمة يرفضون الاعتراف بعدالته وبكماله. فيكون إلحادهم قد أعلن من طرفهم بكيفية مباشرة. إذ أن إنكار عناية الله وعدله وكماله، إنكار لربوبيته! بل وإنكار لوجوده! وحتى إن ادعى المدعون بأنهم يؤمنون به، رغما عن كل مآخذنا المذكورة ضدهم قبله، فإن واقع حالهم يشير إلى أنهم يؤمنون بجوانب من الدين، ويكفرون بجوانب أخرى منه! إذ فيهم من يصلون، ويصومون، ويحجون، وفيهم من يزكون، لكن اعتقادهم الصارخ الجازم بأن الشريعة الإسلامية تجاوزها الزمن، وبأن الدعاة إلى تفعيلها جهلاء متخلفون يفرض علينا – من باب الدفاع عن ديننا – إحالتهم على قوله سبحانه: “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض! فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا. ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب. وما الله بغافل عما تعملون”! يعني أنه لا مجال للقول: “هذي كتعجبني! وهذي ما كتعجبنيش”!!!

{jathumbnail off}

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...