الدين والدولة… أم الدين والحياة؟


وتم نقل هذه التجربة، المشكلة والحل خارج الغرب، على الثقافة الإسلامية، واستغرب الغرب والعلمانيون العرب كيف يمكن التوحيد بين الدين والدولة، وقد ميّز بينهما الغرب وكان ذلك من شروط التقدم. وقد كان ذلك موضوع الحوار الشهير بين محمد عبده وفرح أنطون على صفحات “المنار” و”الجامعة”. يريد فرح أنطون تعميم التجربة الغربية على كل الثقافات والشعوب، ويريد محمد عبده الإبقاء على تنوع التجارب. فقد نشأ العلم والتقدم والمدنية من داخل الدين وبباعث منه وليس ضده وبديلاً عنه.
ولما كان الإسلام لا سلطة فيه، فإن المشكلة ليست الدين والدولة بل الدين والحياة. والعقائد وسيلة لبناء الضمير الإنساني الذي هو ركيزة المجتمع ومحرك التاريخ. وما أكثر العقائد في التاريخ وفي الأديان. وإنما المحك هو معيار الصدق. فالإيمان بالعقيدة ليس مجرد قرار فردي، بل هو برهان وتصديق وأثر في الحياة الفردية والاجتماعية. العقيدة هي حقيقة تتكشف في القلب، وتتحول إلى فعل وممارسة، وتعبر عن مستقبل أفضل للعالم. العقيدة طاقة وحركة، تصور ونظام، نظر وعمل، تحاول الأيديولوجيات والمذاهب السياسية في المجتمعات الغربية أن تكون بديلاً عنها.
ويظن فريق أن الدين هو المؤسسات الدينية التي تكوّن سلطة وأحياناً واسطة بين الإنسان وربه، وهي في الغالب مؤسسات تاريخية نشأت في ظروف تاريخية محددة، مثل الكنيسة في الغرب والمعبد أيام الرومان، ومشيخة الطرق الصوفية ودور الإفتاء أيام الدولة العثمانية. والحقيقة أن الدين في القلب، علاقة مباشرة بين الإنسان وربه. ولا يحتاج إلى توسط مؤسسة دينية تاريخية، سلطة بشرية في أصلها، وتدعي بعد ذلك أنها سلطة دينية في جوهرها. تسيطر أكثر مما تحرر، وتقمع أكثر مما تطور. وقد دعا هذا البعض إلى التفرقة المستمرة بين الدين ورجال الدين. الدين في القلب، تقوى باطنية. ورجال الدين بشر، يخضعون لما يخضع له البشر من أهواء: السلطة والجاه.
ويظن فريق ثان أيضاً أن الدين هو لحظات فريدة في التاريخ، يعيش معها الناس بذاكرتهم إلى الوراء منتزعين أنفسهم من حاضرهم وتاركين مستقبلهم. ففي اليهودية يظن البعض أنها العهد أو الميثاق في صيغته الأخيرة عند موسى مع ما يتضمنه ذلك من “أرض المعاد” و”الشعب المختار”، والأرض والمدينة والمعبد، والنصر، والجيش، والمغنم، والخروج من مصر، والتوجه إلى الأرض المقدسة! هذا التصور للدين يبرر القتل والعدوان كما تفعل الصهيونية في فلسطين، وكأن الدين بضاعة يدافع عنها صاحبها!
وهذه التصورات الخاطئة للدين تمتلئ بها أحياناً أجهزة الإعلام والبرامج الدينية وخطب الجمعة وكتب التربية الدينية والمؤلفات الدينية القديمة والحديثة. وتهدف كلها إلى فصل الدين عن الحياة. وازدهر هذا النوع من التأليف، واتسعت قاعدة قرائه، سواء من التراث القديم، أو من التأليف المعاصر.
وهذه التصورات للدين هي في الحقيقة ابتسار له وتضييق لمجاله، وإبعاده عن الحياة وواقع الناس. الدين في هذه الحالة غريب عن الحياة ومغترب عنها، يدفع بالمتدين إلى خارج العالم المادي المعيش. وإنما الدين في الحقيقة هو نظام حياة للفرد والأسرة والمجتمع والإنسانية جمعاء. هو تصور كامل للحياة ينبثق منه نظام للمجتمع متفق مع نظام الكون.
إن المتأمل في الحديث المشهور “بُني الإسلام على خمس” ليجد في هذه الأركان الخمسة ارتباط الدين بالحياة. فالشهادة، الركن الأول، من فعل شاهد أي رأى وسمع ثم شهد أي تكلم وعبر ولم يكتم الشهادة (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ). فالمسلم هو الذي يشاهد ويشهد. الشهادة تمنع من الخوف والكتمان، والكذب والنفاق، والمهادنة والتبرير، وجعل الحق باطلاً والباطل حقاً.
وتعني “لا إله إلا الله” تحرير الوجدان الإنساني من كل رهبة أو خوف أو طمع أو غرور، تحريره من كل أمور العصر المزيفة، المال، والشهرة، والجاه، حتى يصبح الوجدان مؤمناً بالإله الواحد الأحد. ويبدأ فعل الشهادة بالنفي أولاً “لا إله” ثم بالإيجاب ثانياً “إلا الله”. ودون فعل النفي لا يتطهر الوجدان من أهواء البشر.
وتعني “محمد رسول الله”، صلى الله عليه وسلم، الإيمان برسالته، وأن الإسلام خاتم الرسالات.
الشهادة إذن ليست مجرد قول أو إعلان باللسان، بل هي توجه نحو النفس والعالم بالإعلان عن الحق والعدل ضد الباطل والظلم. الشهادة موجهة نحو الحياة وليست خارجة عنها، وظيفتها وضع الإنسان في العالم وليس إخراجه منه.
وتهدف الأركان الأربعة الأخرى إلى نفس الشيء، حق الجماعة على الفرد، ومسؤولية الفرد عن الجماعة، كما هو الحال في الصلاة والصيام والزكاة والحج. الصلاة تذكرة يومية لبعد الحق والعدل في الحياة اليومية. والزكاة حق الفقراء في أموال الأغنياء. والصيام إحساس بجوع الفقراء وحاجة المحتاجين. والحج تجمع الأمة في مكان واحد وزمان واحد للتعارف والتشاور بين الأقوام، وتقوية الشوكة في عالم تسوده التجمعات ولا بقاء فيه للكيانات الصغيرة.
وكما يذكر الناس عادة أركان الإسلام الخمسة يذكر الفقهاء فيما بينهم مقاصد الشريعة الضرورية الخمسة، الحفاظ على الحياة (النفس) والعقل، والدين، والعرض (النسل)، والثروة (المال). وكلها أركان الحياة الاجتماعية وضروراتها، التي يمكن أن تكون إعلاناً عالمياً لحقوق الإنسان. فالحياة قيمة، حياة النفس والزرع والثروة الحيوانية. والقصاص حياة لأنه حفاظ عليها من المعتدي عليها.
والعقل أول مظهر للحياة. فهو أداة العلم. والعقل أساس التكليف وشرط المسؤولية. ويتجه العقل نحو كل شيء بالتحليل والنقد، والمواجهة والحوار، دون تسليم وطاعة. وهو أول ما خلق الله “أول ما خلق الله خلق العقل”. ويعني الدين، المقصد الثالث، الحقيقة، المعيار العام الشامل الذي لا يختلف عليه البشر مثل العدل والحرية والأخوة بين البشر، فالكل لآدم وآدم من تراب، حماية للروح الإنسانية من الوقوع في النسبية والشك واللاإرادية وحتى العدمية، وهو ما يحدث حالياً في الوعي الغربي. هناك حقيقة كلية تجمع البشر على رغم اختلاف التفسيرات وتعدد الاجتهادات.
والعرض ليس فقط عرض الأفراد حماية لحقوقهم بمعنى الحفاظ على طهارة الأنساب، بل يعني أيضاً عرض الشعوب وكرامة الأمم وكل ما ينال من قيم الشرف. فالأرض عرض في المثل الشعبي، وكرامة الأمة عرض سياسي. وحصار شعب ينال من عرضه وكرامته، وتشويه صور ثقافة ينال من عرضها في التاريخ.
ولا يعني المال، المال الخاص فقط بل الثروة العامة، ثروات الأمم دون استغلال أو احتكار، وتوجيهها للمصلحة العامة. ولا يعني المال السائل وحده أي النقود بل الثروات كافة، الزراعة والتعدين، المنقول وغير المنقول.
لا عذر إذن لمن يترك الدين لأنه بعيد عن الحياة ويلجأ إلى المذاهب السياسية لأن بها إجابات عن الأسئلة التي يطرحها. إنما العيب فيمن استحوذ على الدين وأبعده عن الحياة طلباً للرئاسة والسيطرة. والعيب أيضاً على من استسهل وترك الدين في يد أعدائه، وذهب إلى دين آخر بديل لا يدري هل هو من صنع الأصدقاء، أو من صنع الأعداء.
{jathumbnail off}



