الريسوني في لقاء علمي بالدوحة: تركيا ساهمت في الربيع العربي


الحرية فطرة الله ..
وكان موضوع حرية الانسان أول مسألة يتطرق إليها الفقيه المقاصدي، معتبرا إياها مقصدا من مقاصدالشريعة وجب حمايته من كل تقييد أوتضييق، لأن “الحرية هي فطرة الله التي فطر الناس عليها”، لذلك وجب المحافظة على الانسان كما خلقه الله تعالى حرا مكرما. وإذا كانت قوانين العصر الحديث تنص على أنه “لا جريمة ولا عقاب الا بنص”، فإن الدكتور الريسوني يؤكد أن “الشرع” يقول: لامنع ولا حظر ولا تقييد إلا بنص ولمصلحة واضحة”. وأوصى حفيد المجاهد محمد بن علي، الذي شارك في معركة وادي المخازن، كافةالمسؤولين وأولي الأمر بالابتعاد عن “العقلية الفرعونية” التي يفكر بها الكثير منهم، و”ألا يلجأواإلى تقييد حرية الناس، إلا لمصلحة معتبرة راجحة”، يسند تحديدها للعلماء ولأهل الخبرة في كل مجال، موضحا أن تحديد المصالح يُستخلص اليوم من دراسات وتقارير وبحوث تنتهي بتحديد نتائج وبتوصيات واضحة. أما التقييد لمجرد التحكم والاستبداد والتسلط، فهو “عدوان” و” ظلم “، كما جاء على لسان العلماء، ومنهم الشيخ الطاهر بن عاشور (العالم التونسي المعروف)..
في تركيا حرية مذهلة
وفي السياق ذاته، أعرب العلامة المغربي عن اندهاشه من مستوى الحرية الموجودة في تركيا واصفا إياها بأنها “حرية مذهلة”، “فهناك مؤتمرات كبرى لا تحتاج حتى إلى تصريح، وليس إلى إذن وتحقيق ورفض!، وهذا لا يوجد في أي بلد آخر في العالم، يكفي أن تؤجر فندقا وتأتي بألف شخص”، وهكذا “تحولت تركيا إلى بلد المؤتمرات الاسلامية ” بامتياز”، وهذا شيء عظيم جدا، فالناس لا يجدون حرية في المغرب والسودان والسعودية ومصر… وفي أي قطر من الأقطار ، فيذهبون إلى تركيا يقولون ما يشاؤون ويفعلون ما يشاؤون، وهي خدمة جليلة للاسلام …”. وربط الدكتور الريسوني بين الحرية التي تعيشها تركيا والثورات التي عرفها العالم العربي قبل سنتين، مؤكدا أن الربيع العربي هو من نتائج الحرية في تركيا، التي أسهمت فيه بشكل جلي… فبالرغم من أن الدولة التركية تشدد على “أن الدين ممنوع ممنوع ممنوع”، إلا أن “المجتمع يتغير من تحته” بما هو ممكن، فمن خلال القانون، ومن خلال الدستور استطاع العدالة والتنمية أن يخدم الاسلام وليس باسم الاسلام، ووصف الفقيه المقاصدي إنجازات “الأخوة الأتراك” بأنها “جليلة”، خصوصا على مستوى “الحرية والعدل “..
“الحكم الذاتي” لا يتعارض مع الوحدة الاسلامية
وعن سؤال حول بعض الدعوات الانفصالية التي تعرفها بعض الدول الإسلامية، شدد الدكتور احمد الريسوني على أن “وحدة المسلمين هي أصل نتمسك به، فإذا ضاع منه شيء نجري وراءه ونحرص عليه، وإذا بقي لنا منه شيء نتمسك به ولا نفرط فيه، لكن وحدة المسلمين لا تنفي أبدا “الحكم الذاتي” أو فكرة “الإقاليم”، مشيرا إلى أن ذلك “لا يتعارض مع وحدة المسلمين”، لأن “وجود حكم ذاتي لناس هم أدرى بمشاكلهم إو إقليمهم أو منطقتهم أو حتى بلغتهم المحلية ..هي أمور لا مانع منها، إذا بقيت في إطار الوحدة الاسلامية”.
لا قطيعة بين الشاطبي والشافعي
وردا عن سؤال حول ادعاء القطيعة التي قيل بأن الإمام الشاطبي قد أحدثها مع الإمام الشافعي والمتقدمين، والتي روج لها بعض العلمانيين، قال العالم المقاصدي: إن الأستاذ عبد المجيد الصغيـّر والدكتور محمد عابد الجابري كلاهما من شعبة الفلسفة، ومع الاحترام لهؤلاء، فتخصصهم يبقى شيئا ما محدودا، وكذا اطلاعهم، وحتى منهجهم”، فالقول إن الإمام الشاطبي دشن قطيعة – كما يقول الجابري- مع الشافعي، استطيع أن أقول أن الإمام الشاطبي لا يقوم ولا يقعد إلا بالشافعي، بشكل واضح جدا”، و”هذه القطيعة لا وجود لها إلا في أذهان معينة”، واسترسل الريسوني قائلا : إن الشاطبي رحمه الله قد صرح في كتبه مرارا بأنه يشكل قطيعة مع عصره وليس مع المتقدمين، فهو بالعكس يؤكد أن من منهجه أن يقفزعلى المعاصرين والقريبين منه، أي المتأخرين، ويذهب إلى المتقدمين”، وهو ديدن الحركات والجهود التجديدية، إذ تهرع عادة إلى “جوهر الشرع” ومتطلباته، لتغرف من “الفهم السديد” لتنجح في عمليات الإنقاذ..
لا خوف على المشروع المقاصدي
وكانت مداخلة أحد الباحثين حول الفكر المقاصدي مناسبة جيدة لشاطبي المغرب ليبدد أية مخاوف تحوم حول المشروع المقاصدي المتنامي، وبشر الحاضرين بوجود “صحوة مقاصدية حقيقية”، وأن لا خوف على المشروع المقاصدي، ولا على الفكر المقاصدي، موضحا أن البحث المقاصدي يمضي بتقدم مطرد، وأن “تفعيل مقاصد الشريعة” هي خطوات عملية على أشدها، منذ أن كتب الدكتور جمال الدين عطية: “نحو تفعيل مقاصد الشريعة”، حيث مافتئت الندوات والكتابات تتوالى حول الموضوع ذاته: في المعاملات المالية، في الاقتصاد، في السياسة الشرعية، في فقه الأسرة، في الأمور الفرعية، وفي كل شيء …، فمقاصد الشريعة لم تعد محصورة في الدراسات النظرية كما عند الشاطبي، بل أصبحت كلمة “التفعيل” الآن هي المفتاح….
مقاطعة أبناء التصور للمحاضرة!
وقبل اختتام المحاضرة القيمة، التي حضرها جمهور نوعي ومتميز، وغاب عنها القريبون من تصور العالم العامل، زكى الريسوني ماذهب إليه الكاتب المعروف فهمي هويدي في شأن تعذر تنفيذ الأحكام الشرعية باسم القرآن والشريعة، إذ وافقه في تنزيلها باسم القانون، إن لم يكن هناك سبيل آخر غير ذلك، “في انتظار استكمال حلقات الاصلاح والتغيير”…
ثم ختم اللقاء العلمي الجديد مع الشريف سيدي أحمد بن عبد السلام الريسوني، الذي ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، بأن المسلم الذي لا يعرف المقاصد لا يبطل تدينه، إلا أنه “ربما يكون على خطر بأن يعبد الله على حرف”، مشيرا إلى قاعدة ذهبية مفادها: أن “المسلم بقدرمايعرف مقاصد ما يفعل، يفعل ذلك بشكل أفضل”…
نصر الدين الشريف



