البوطي قتله العلماء..

عمر العمري
24 مارس 2013

عمر العمري
عمر العمري
مقتل محمد  سعيد رمضان البوطي يوم الخميس الماضي كشف “عورة” بعض “علمائنا”، التي لم تكن مستورة في يوم من الأيام، وأعطى الدليل على أنهم قد غرر بهم وزج بهم في أتون الحسابات الدولية والإقليمية، فانقسموا إلى فئتين، فئة تدافع عن “الأسد” ومن “شايعه”، وفئة باعت نفسها لجهات تريد تصفية الحساب مع هذا “النظام” وأعوانه.

 

لقد شعرت بخوف شديد وأنا أتابع تصريحات بعض “العلماء”، وقد نصبوا أنفسهم “آلهة” يوزعون الهداية والمغفرة على من يشاؤون من عباد الله، ويحكمون على المخالفين لهم في الفكر والعقيدة بالخسران المبين وسوء العقبى.

هؤلاء نصبوا أنفسهم “باباوات” للمسلمين، لكن دون حفل تنصيب، يفرقون “صكوك الغفران”، أسوأ من تلك التي كانت توزع في القرون الوسطى إبان طغيان الكنيسة، وللأسف لم يحصل “البوطي” من زملائه على “صك” يدخله الجنة، بالرغم من أنه كان صديقا لهم، وله فضل ومنة على كثير منهم.

ولا أدري أين ذهب عقل “القرضاوي” ـ البابا الجديد ـ عندما قال في إحدى خطبه “كنت أتمنى أن يهديه الله.. وأنا أدعو له بالمغفرة والرحمة”، ولكن ـ حسب الشيخ ـ مات البوطي دون أن يهديه الله،. فكيف علم “عالم الأمة” أن “البوطي” ـ رحمه الله ـ مات ميتة جاهلية، أطلع الغيب أو أوحي إليه ذلك دون العالمين؟؟

أما خطيب المسجد الحرام عبد الرحمن السديس، فقد كان له “فصل الخطاب” في هذا الباب ولم يعد بعد كلامه كلام، فقد حكم على البوطي (إن صح البيان الذي ورد عنه) بأنه من “أئمة البدع والضلال”، و”بموته يخف الشر”، وأنه “قضى عمره في خدمة دولة نصيرية ملحدة”..

وقد سبق لمرشد الإخوان “محمد بديع” أن أمر بقتل البوطي صراحة وأهدر دمه دون أن يهتز له جفن، بل واعتبر أن من “يستطيع أن يصل إلى رقبته بسيف أو سكين، فهو شهيد بإذن الله”.. ولا أدري كيف حصل “بديع” على “إذن الله”، وهل هو مرشد للإخوان إلى الرحمة والتسامح أو هو مرشدهم إلى القتل وسفك الدماء؟؟

ولا طائل من إطالة الكلام في هذا الباب، لأنه أصبح واضحا أن “علماءنا “الأفاضل” تخلوا عن زميلهم البوطي وأهدروا دمه، وهم يتحملون وزر ذلك، وعلى رأسهم القرضاوي، حينما أكد في برنامج “الشريعة والحياة” أن “الذين يعملون مع السلطة، يجب أن نقاتلهم جميعا، عسكريون مدنيون، علماء وجاهلون..”

وكأنه لا يعمل في كنف السلطة ورعايتها ويحظى بدعمها وتشجيعها، والتي توفر له جميع وسائل الراحة والسفر والإعلام.. فكيف ينكر على غيره فعلا هو يأتيه، ويعطي لنفسه الحق في أن يعلن الثورة على من يشاء من الأقطار، وأن يزكي من يريد من العباد والبلاد.. فمن أعطاه حق الإعلان عن “الجهاد”؟؟

وحتى لا يظن بنا أحد الظنون، فإننا لا ندافع عن نظام “الأسد” ولا عن مذهبه، ولا عن “البوطي” وعقيدته، والذي استفدنا من علمه في مرحلة من المراحل، و”تتلمذ” على يديه الإسلاميون بدون استثناء، ولسنا أيضا ضد “القرضاوي” ولا من الحاقدين عليه، والذي أيضا قرأنا له جل كتبه، و”تتلمذت” على يديه حركات إسلامية كثيرة في العالم..

إنما نريد ـ برأينا هذا ـ أن ننبه إلى هذه “الفتنة” التي ولغ فيها بعض علمائنا، وهذه “الانفصامية” التي يعانون منها منذ عقود طويلة، فمنهم من يعيش في كنف السلطة ويرضع من ثديها، لكنهم ينهون غيرهم أن يصنعوا مثل ما صنعوا..

فإذا “اجتهد” القرضاوي ورأى بأن نظام الأسد نظام جائر، فله الحق في ذلك، ولكن لماذا ينكر على “البوطي” اجتهاده في الدعوة إلى الاستقرار وحفظ الأرواح وعدم الخروج عن النظام الحاكم، أليس له أيضا الحق في ذلك؟..

والغريب في الأمر، فكلاهما ينطلق من المرجعيات نفسها، أي القرآن والسنة والسلف الصالح، فالقرضاوي ـ ومن سار على نهجه ـ يفتون بقتل بشار الأسد وأعوانه انطلاقا من نصوص دينية، وأحمد حسون (مفتي سوريا) والبوطي ـ ومن يرى رأيهم ـ يفتون بالدفاع عن سوريا ونظامها الشرعي انطلاقا من القرآن والحديث النبوي!!.. فأي العلماء نتبع “القرضاوي” أو “البوطي”؟

إنها “الفتوى الناسفة المدمرة”، لقد قتلت اليوم عالم سوريا الأول وأقواما سبقوه، وستستمر في حصد الأرواح، ولن ينجو منها من يعتقد أنه في مأمن منها.. ونعتقد أنها، أي الفتوى، باتت من أسلحة الدمار الشامل في العالم، وحان وقت حظرها ومعاقبة من يسعى إلى امتلاكها.

وبالنسبة لعلماء المغرب، الذين تأخروا عن إصدار بيان يدينون فيه قتل زميلهم البوطي، وهو الذي دافع بكل ما ملك من علم عن عقيدتهم الأشعرية وعن منهجهم الصوفي، وذهب ضحية فكره هذا، وكان الأجدر بهم ألا يقعوا تحت تأثير علماء الشرق ونزوعاتهم المذهبية، وينتصروا لعالم كان يقف حيث يقفون..

وموقفهم السلبي هذا يسقطهم في تناقض خطير، ذلك أن “البوطي” كان يدافع عن شرعية النظام واستقراره من خلال عقيدة الأشاعرة التي لا تدعو إلى الخروج عن سلطة الحاكم، وبالتالي يمكن تأويل سكوتهم على أنه دعم للقرضاوي الذي يحرض على القتل وإثارة الفتنة.. فما جدوى الخصوصية الفقهية والدينية للمغرب الذي أنفق أموالا طائلة من أجل ترسيخها في أذهان الخلق؟؟

قد نلتمس لعلمائنا المغاربة بعض العذر، فحكومتنا الموقرة سبق أن أعلنت موقفها المعادي لـ”الأسد” وانخرطت في مسلسل القضاء على نظامه، وربما يجدون حرجا في أن يسيروا في الاتجاه المعاكس ويعلنوا نصرة زميلهم البوطي، المساند للحاكم، والذي ذهب ضحية عقيدة يشتركون معه في الإيمان بها..

ينبغي التنبيه إلى أن الحرب الدائرة رحاها الآن بين علماء الأمة تنبعث منها رائحة “السياسة” و”المذهبية” المتعصبة، وهي حرب خطيرة سيكتوي بنارها الجميع، ولا يعتقد من في المغرب أنهم بمنأى عنها، لأن وراءها جنودا وعملاء يحركونها من وراء الستائر، وبيدهم “صكوك غفران” يعتقدون أنها تسمح لهم بولوج أبواب الجنة.

وما علينا إلا نمعن النظر في أي بيان أو فتوى يصدرها “علماء الدين”، والتدقيق في محتوياتها وخلفياتها، فإننا على يقين أن من بين ثناياها وسطورها عقائد تغذيها ومذهبية تشحنها، وهي “فتاوى” تتخذ من الدين مطية للدفاع عن مصالح دنيوية زائلة..

ونجدد تأكيدنا على أن البوطي لم يقتل لأنه ساند “الأسد”، بغض النظر عمن قتله ـ سواء النظام الذي عاش تحت ظله أو الثوار الناقمين عليه ـ وإنما قتل ـ رحمه الله ـ لأنه يحمل فكرا غير مرغوب فيه وله مواقف تخالف جمهور العلماء، وعلى علمائنا ألا يقتلوه بسبب فكره وعقيدته ومساندته لنظام قد يختلفون معه..

وفي النهاية نخشى أن يأتي يوم يقول فيه عالم من علمائنا أو فقيه من فقهائنا أو داعية من دعاتنا: لقد قتلت يوم قتل البوطي..

{jathumbnail off}

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...