هكذا دبرت السعودية الإكراهات التنظيمية المرتبطة بتوافد الملايين على مناسك الحج
نسيم إبراهيمي
يعتبر الحج أكبر تجمع بشري في العالم، حيث يضم هذا التجمع ما بين مليون إلى 3 مليون حاج سنويا، ما يعني أنه من زاوية التنظيم يعتبر أكبر تحدي يواجهه الإنسان فيما يخص التجمعات البشرية.
وبالإضافة إلى العدد المهول من الحجاج، فإن موسم الحج يعتبر مشكلة لوجستية عظيمة كونه يجمع عوامل أساسية من ضمن العوامل المسببة للتدافع والحوادث وهما وجود عدد كبير من الناس يقومون بنفس الشيء في نفس الوقت وفي نفس المكان، وهو ما كان السبب الرئيسي في عدة حوادث تدافع وفوضى خلفت الآلاف من الضحايا على مر السنين.
سنة 2006، قررت السلطات السعودية الاستعانة بفريق باحثين متخصص في حركة الحشود من أجل تشخيص أسباب التدافع والحوادث وتقديم حلول يمكنها تحسين تسيير موسم الحج، مستعينة بالباحث الفيزيائي Dirk Helbing وفريقه.
ديرك متخصص في عدة مجالات لها علاقة بسلوك الحشود ويملك مكانة مرموقة في مجالات النمذجة الاجتماعية والأنظمة المعقدة.
إختيار هذا الباحث وفريقه كان يعني أيضا أن السلطات السعودية كانت قد قررت قلب المقاربة رأسا على عقب والانتقال من دراسة حركة الحشود خلال موسم الحج من المقاربة السلوكية المتعلقة بدراسة الذعر الاجتماعي إلى مقاربة علمية تعتمد على فيزياء الحركة وميكانيك السوائل، وقد أثبتت النتائج أنها كانت محقة.
دعي الباحث Helbing وفريقه إلى ملاحظة وتحليل تسجيلات الفيديو بشكل مباشر خلال تأدية مناسك الحج وقد لاحظوا أن منطقة الجمرات في مكة كانت الأخطر، فدرسوها بدقة ونشروا بخصوصها ورقة بحثية علمية كاملة تشرح كيف تتحول حركة الحشود تدريجيا من حركة طبيعية إلى حالة خطيرة تسمى: Stop-and-go waves (موجات التوقف والانطلاق) ثم Crowd turbulence (اضطراب الحشود)
تطرقت الورقة البحثية إلى مختلف المراحل التي تمر بها الحشود وهي الحركة الانسيابية عادية وموجات التوقف والانطلاق والاضطراب العنيف للحشود المؤدي للسقوط والسحق، كما أسست لمفاهيم الكثافة الحرجة وزلزال الحشود معتمدة نموذجا علميا فيزيائيا يسمى Social Force Model يسمح بمحاكاة حركة البشر داخل الحشود وكأنها قوى فيزيائية متفاعلة قابلة للنمذجة الرياضية بالمعادلات، وهو نموذج يستخدم حاليا في تصميم الملاعب ومحطات القطار وخطط الإخلاء وإدارة الحشود.
سمحت هذه الدراسة في فهم ديناميكيات الحشود من منظور علمي فيزيائي بعيدا عن الأطروحات السلوكية وقد دفع بالسلطات السعودية إلى اتخاذ مجموعة إجراءات سمحت بتقليل عدد الحوادث والقتلى بشكل لافت.
ومن أهم هذه الإجراءات إعادة تصميم جسر الجمرات وتوسيع المسارات وإنشاء طوابق متعددة وتحسين مداخل ومخارج الحركة وفصل اتجاهات السير واعتماد التفويج الزمني واستخدام المحاكاة الحاسوبية التي تسمح قبل كل موسم حج بالتنبؤ بمواقع ظهور الاختناقات والنقاط الخطرة وتأثير الإغلاقات أو التحويلات.
كما وضعت السعودية ما يسمى أنظمة المراقبة الذكية للحشود تستخدم الذكاء الاصطناعي للتحليل الفوري للحركة لاكتشاف ارتفاع الكثافة وبدايات الإضطراب والتدخل في الحين لتفادي أي حركات تدافع.
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك
التعليقات