ملاحظات في فلسفة الأخلاق
تمرسيت حسام الدين
لا يمكن تقديم تأسيس صارم للأخلاق لا عقليا ولا دينيا ولا نفعيا لأن كل هذه النظريات تنطلق من افتراض أن الإلزام الأخلاقي يمكن اشتقاقه من مبدأ أسبق يبرر قيمة الأخلاق بينما هذا الافتراض نفسه هو محل الإشكال، كيف ذلك؟
في التأسيس العقلي تقوم الحجة كالتالي: أن الأخلاق ملزمة لأنها صادرة عن العقل، وأن العقل قوة تفرض علينا الاتساق والتعميم للقاعدة الأخلاقية، لكن هذا التصور ببساطة يفشل لأن العقل من حيث هو قوة للاتساق لا يقدم لنا بالضرورة إلزاما أخلاقيا، فحتى لو كان المبدأ الأخلاقي متسقاً منطقيا داخل نظام عقلي كما هو الأمر بالنسبة للواجب الكانطي إلا أنه لا يقدم لنا إفادة جديدة عن لماذا هو أخلاقي لمجرد أنه عقلي؟ فالمشكلة بالتالي أن العقل هنا قد يقدم شكلاً من التنظيم الصوري من دون تقديم معيار للقيمة الأخلاقية نفسها.
في التأسيس الديني تبنى الحجة على أن الفعل خير لأنه أمر الله. لكن هذه الفكرة تواجه معضلة مباشرة مشهورة عرضها أفلاطون وأدبيات اللاهوت الديني: هل الفعل خير لأنه مأمور به أم أن الله يأمر به لأنه خير؟ إذا كان خيرا لأنه مأمور به يصبح الخير تابعا لإرادة لا معيار لها سوى نفسها وهذه اعتباطية، وإذا كان الله يأمر به لأنه خير فهذا يعني أن معيار الخير مستقل عن الأمر الإلهي نفسه وأننا نحتاج لبحثه خارج أمر الله وهكذا تسقط النظرية.
في التأسيس النفعي أو الواقعي تختزل الأخلاق في المنفعة أو اللذة كما عند النظريات البرغماتية عند جيرمي بينتام و وليام جيمس وغيرهم بحيث يكون الخير هو ما يحقق أكبر قدر من النفع. لكن المشكلة هنا في هذا الافتراض البرغماتي للأخلاق أن المنفعة نفسها مفهوم وصفي لا يحمل في ذاته أي إلزام لقيمة أخلاقية، فهي تصف ما يحدث من زيادة في اللذة أو تقليل للألم دون أن تفسر لماذا ينبغي تفضيل هذا الوضع الحسي كقيمة أخلاقية في حد ذاتها؟ مايعني أن الانطلاق من المنفعة وحدها لا يكفي لتأسيس الحكم الأخلاقي.
حلي لهذه المعضلة وهو الموقف الذي وصلت إليه فهو قائم على أن فشل هذه التأسيسات ليس صدفة بل نتيجة لإساءة طبيعة الأخلاق نفسها، كيف ذلك؟ لأن تبرير الأخلاق يستحيل أن يقوم على إمكانية اشتقاقها من مبدأ سابق عليها، بل على العكس من ذلك على استحالة هذا الاشتقاق والتأسيس المسبق نفسه فالإلزام الأخلاقي وتبريره لا يأتي من معرفة نظرية نثبتها مسبقاً بل من وضع عملي نعيشه داخل الممارسة من دون القدرة على حسم وتأسيس التبرير الأخلاقي في مرحلة ما، فما الذي يجعلنا نلتزم بالأخلاق ونسوغها في حياتنا ليس لأننا برهناها بشكل مسبق بل لأننا لا نستطيع الهروب منها أو حسمها نظريا بشكل نهائي ومطلق داخل تجاربنا في الحياة.
التعليقات