مجتمع يقدّر الرموز بعد غيابها
محمد خياري
في كثير من الأحيان، نلاحظ أن المجتمع يميل إلى تقدير الرموز بعد رحيلها، بينما لا يلتفت إليها بالقدر نفسه وهي بيننا. هذه المفارقة لا تبدو مجرد عادة، بل تكشف عن ثقافة ترى في الغياب أو الموت مناسبة للاحتفاء، وكأن الحضور وحده لا يكفي ليمنح الإنسان قيمته.
عندما يصلنا خبر وفاة فنان أو مفكر أو زعيم سياسي أو عالم، نسارع إلى استحضار أعماله، نشارك صوره، ونحوّله فجأة إلى أيقونة. لكن خلال حياته، قد يكون عاش في عزلة أو عانى من المرض أو الفقر دون أن يجد التفاتة كافية. هذا السلوك يوحي بأننا نحتفي بالرمز أكثر مما نحتفي بالإنسان، فنحوّله إلى تمثال بعد رحيله، بينما نتركه في حياته يواجه هشاشته وحده.
الموت عندنا لا يُنظر إليه فقط كفقد، بل يصبح مناسبة جماعية. الجنازة تتحول إلى لقاء، والعزاء إلى مساحة لتبادل الذكريات وصناعة صورة مثالية عن الراحل. هذه الصورة لا تعكس بالضرورة حياته كما عاشها، بل حاجتنا نحن إلى أن نراه مثالاً للقيم التي نفتقدها. فنصنع منه بطلاً أو قديساً، بينما كان في حياته يفتقر إلى أبسط أشكال الاعتراف.
وإذا تأملنا المقابر في المغرب، نجد أن علاقتنا بالموت تكشف وجهاً آخر من الإهمال. كثير من المقابر تُترك بلا صيانة، تغمرها الأعشاب وتتحول إلى فضاءات مهجورة. هذا الإهمال ليس مجرد تقصير مادي، بل إشارة إلى أن علاقتنا بالراحل تنتهي عند لحظة الدفن. نهتم بالاسم والصورة والرمز، ونترك الجسد ومكانه في عزلة. ربما لأن الاعتناء بالمقابر يضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة الفناء، فنفضل أن نهرب نحو الرمزية ونترك المكان في صمته.
ولا يقتصر الأمر على الموت وحده. حين يغادر الإنسان منصبه، يظهر سلوك مشابه. نستحضر أيامه وكأنها كانت “أياماً زاهية”، أفضل من الحاضر الذي نعيشه. نصنع من الماضي مادة للحنين، ونحوّل الشخص الذي غادر موقعه إلى رمز للزمن الجميل. لكن في حياته، قد لا نسأل عنه ولا نتواصل معه، وكأننا نخشى أن نرى في ضعفه انعكاساً لمصيرنا نحن.
ومع ذلك، لا تقع المسؤولية دائماً على المجتمع وحده. فالإنسان حين يبلغ مرحلة الشيخوخة أو يعيش عزلة بعد مغادرته موقعه، قد يختار هو نفسه الابتعاد. في تلك المرحلة، لا يحب أن يُخالط أو يُظهر ضعفاً أمام الآخرين، خصوصاً أن من كانوا معه في لحظات قوته إما رحلوا أو عجزوا. حتى هو يفضل البقاء في دائرة الحنين، يسمع صدى الماضي أكثر مما يسمع أصوات الحاضر. وكأن الاعتراف المتبادل يصبح صعباً، لأن الطرفين يختارون الانسحاب إلى ذكرياتهم.
هذا التداخل بين مسؤولية المجتمع وخيارات الفرد يجعل الصورة أكثر تعقيداً. فالسلطة والمكانة ليست مجرد وظائف، بل جزء من هوية الشخص في نظر الآخرين، وحين يفقدها يفقد معها جزءاً من الاعتراف الاجتماعي. فنحتفي بذكراه أكثر مما نحتفي بوجوده، ونحوّل حضوره السابق إلى مادة للحنين، بينما يقلّ الاهتمام به في حياته.
إن علاقتنا بالموت وبالغياب وبالمنصب تكشف عن نمط واحد: الاعتراف غالباً ما يُمنح في الذكرى والرمز والحنين، لا في الحاضر. نعيش في زمن سريع الإيقاع، لا نلتفت فيه كثيراً إلى من بلغوا من العمر عتياً، ولا نحتفي بهم إلا حين يغيبون. وكأننا لا نحتمل مواجهة الشيخوخة والضعف، فنؤجل الاعتراف إلى ما بعد الرحيل أو مغادرة المنصب.
لكن في العمق، هذا السلوك يعكس خوفاً من مواجهة حقيقة أن الزمن يستهلكنا جميعاً. الاعتراف بالآخر في حياته هو أيضاً اعتراف بمرآة وجودنا نحن، لذلك نؤجله. ومع ذلك، يمكننا أن نتعلم كيف نحتفي بالآخرين وهم بيننا، كيف نسأل عنهم قبل أن يغيبوا، وكيف نمنحهم الاعتراف الذي يستحقونه في حياتهم، لا بعد رحيلهم.
التحدي الحقيقي أمامنا هو أن نكسر هذه الحلقة: أن نمنح الاعتراف في الحاضر، أن نعتني بالمقابر كما نعتني بالرموز، أن نحتفي بالمسؤول السابق أو الفنان المعتزل كما نحتفي بذكراه. لأن الموت والغياب والمنصب ليست سوى محطات في مسار الإنسان، أما القيمة الحقيقية فهي في أن نراه ونحتفي به وهو حي، قبل أن يصبح مجرد ذكرى أو رمز.
بهذا المعنى، يصبح الاعتراف في الحاضر فعلاً أخلاقياً، ومقاومة ضد ثقافة النسيان. أن نسأل عن الفنان وهو مريض، أن نزور المفكر وهو في عزلته، أن نمنح المسؤول السابق مكانة إنسانية بعد مغادرته منصبه، هو ما يعيد للذاكرة معناها الحقيقي. فالذاكرة ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي أيضاً مسؤولية تجاه الحاضر.
نحن بحاجة إلى أن نعيد بناء علاقتنا بالآخرين على أساس الاعتراف المستمر، لا الاعتراف المؤجل. أن نكسر وهم أن القيمة لا تُمنح إلا بعد الموت أو الغياب، وأن نحتفي بالإنسان في ضعفه كما نحتفي به في قوته. لأن الاعتراف الحقيقي لا يُقاس بالتماثيل أو القصائد أو أسماء الشوارع، بل يُقاس بالالتفاتة البسيطة، بالسؤال الصادق، وبالاحتفاء بالحياة قبل أن تتحول إلى ذكرى.
التعليقات