في ذكرى السبعين: فضل رجل أمن كان سببا في مسيرتي مع القرآن
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومرشد ديني بفرنسا
لقد استمعتُ عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى قراءات قرآنية متميزة ومتنوعة، بصيغتي الأداء المشرقي والمغربي، قدّمها رجال أمن وشباب من مختلف مناطق المغرب؛ من شيشاوة إلى الصويرة، ومن الصخيرات ـ تمارة إلى غيرها من المدن. وكانت تلك الأصوات الندية، ما شاء الله، تحمل من الخشوع وصفاء الأداء ما لامس القلوب وأحيا الأرواح. وليس هذا الأمر بغريب عن رجال الأمن الوطني المغربي كما قد يتوهم لدى البعض، بل هو واقع عرفناه عن قرب وعشنا تفاصيله في محطات عديدة من حياتنا. فقد ساقتنا الأقدار، أيام الطلب وحفظ القرآن الكريم، إلى التعرف على عدد من موظفي الأمن الوطني المغربي، كانوا من حفظة كتاب الله، وجيرانًا لنا في المدينة ويقرؤون الحزب جماعة معنا بالمسجد من حفظهم، ويصلون بنا التراويح ويحظون بمكانة طيبة لدى أهل الحي، ويكنّون لنا كل مودة وتقدير. وقد جمعوا بين أداء مسؤولياتهم المهنية بكل التزام، وبين حرصهم على حضور مجالس العلم والعناية بتلاوة القرآن الكريم وأهله. وأودّ أن أذكر في هذا المقام أن الفضل، بعد الله تعالى، في فتح باب حفظي للقرءان الكريم يعود إلى أحد رجال الأمن الوطني المغربي، وهو الضابط المتقاعد الان من سنوات والفقيه الحامل لكتاب الله، السيد الحاج العلمي، مكان عمله كان بالبرلمان المغربي حفظه الله وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وأطال عمره في طاعته وأعماله الصالحة. فقد كان له، في أيام صباي، جميلُ الأثر وحسنُ الصنيع، إذ شفع لي لدى إمام المسجد المحمدي بمدينة سلا، صديقه الفقيه الإمام وابوران رحمه الله، حتى يقبلني ضمن طلبته لحفظ القرآن الكريم، فكانت تلك البداية المباركة والمنطلق الأول في مسيرتي مع كتاب الله تعالى. وكانت تلك المبادرة سببًا من أسباب الخير التي غيّرت مسار حياتي مع كتاب الله عزوجل. وما زال هذا الرجل الكريم يحتفظ بتلك الذاكرة الجميلة، وكلما التقيته عانقني وبكى متأثرًا، وأشاد بي بكلمات صادقة لا تزال تترك في النفس أثرًا بالغًا. وإنني لا أنسى معروفه ما حييت، ومن باب الوفاء والشكر لأهل الفضل أكتب هذه الكلمات، ولعلها تصل إليه عرفانًا بما قدّمه لي في سنوات الصبا والتكوين. ولم يقتصر فضله على ذلك، بل كان يخصني بالدعوة كذلك للحضور معهم في الحفلات والولائم التي كان يرأسها يشرف عليها كما كان يشاركنا في إمامة الناس في صلاة التراويح بالحي، بحكم ما كانت تجمعه من زمالة ومودة بشيخي وإمام الحي الفقيه وابوران رحمه الله. وكانت تلك المجالس العامرة بالإيمان والقرآن من أعظم ما رسّخ في نفسي محبة كتاب الله وأهله. كما أذكر بكل تقدير رجلًا آخر من رجال الأمن الوطني المغربي، من حفاظ كتاب الله كذلك، السيد محمد الضابط الممتاز المتقاعد الان من سنوات الذي كان يحرص على اصطحابنا إلى إحياء المناسبات في الحفلات والولائم التي كان يرأسها وكان يستدعيني شخصيًا لمرافقته والحضور معهم، فكان لذلك بالغ الأثر في تشجيعي وتقوية صلتي بأهل القرآن ومجالس الذكر والعلم. ولا أشك أن في مغربنا الحبيب العديد من أمثال هؤلاء الرجال، ممن جمعوا بين خدمة الوطن وخدمة القرآن، وبين حماية أمن الناس وحفظ كلام الله في الصدور. وما شاهدناه اليوم من قراءات جميلة ومتقنة لرجال الأمن الوطني المغربي، ليس إلا دليلاً حيًّا
على سنوات من التكوين والتدريب في علم التجويد والحفظ والإتقان، وعلى أن التوفيق إلى القرآن نعمة يختص الله بها من يشاء من عباده، مهما كانت مواقعهم ومهنهم.
فكل التقدير والاحترام لرجال ونساء الأمن الوطني المغربي، الساهرين ليل نهار على حماية الوطن والمواطنين، والذين يقدّم بعضهم نموذجًا راقيًا في الجمع بين الواجب المهني والسمو الروحي. ونسأل الله أن يحفظ بلادنا، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يبارك في كل صوت يصدح بآيات الذكر الحكيم، فيزيد القلوب إيمانًا، والمحبة صفاءً، والوطن وحدةً وتماسكًا وراء القائد الأعلى مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله ويبارك في ولي عهده مولانا الحسن وكافة أسرته العلوية. انه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين.
التعليقات