فلسفة التعدد في الإسلام…دراسة مقاصدية في ضوء النصوص القرآنية
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
رسالة الإسلام في جوهرها ليست خطابًا منغلقًا موجَّهًا إلى جماعة بعينها، بل هي نداء كوني يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والعرقية، ويخاطب الإنسان بما هو إنسان. ومن هنا كان القرآن الكريم يصف الرسالة المحمدية بأنها رحمة للعالمين، لا لطائفة دون أخرى، ولا لقوم دون سواهم، قال تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
وهذه الرحمة ليست مفهومًا عاطفيًا مجردًا، بل هي منظومة قيمية وفلسفية تؤسس لعلاقة متوازنة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، مهما اختلفت معتقداته أو انتماءاته .
إن التأمل في النص القرآني يكشف بوضوح أن الحوار ليس خيارًا ثانويًا في الإسلام، بل هو أصل من أصول الدعوة، ومنهج من مناهج البلاغ. فالله سبحانه وتعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، قال تعالى: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”. وهذه الآية تؤسس لقاعدة أخلاقية ومعرفية في التعامل مع الآخر، تقوم على احترام العقل الإنساني، وعلى الإيمان بأن الحقيقة لا تُفرض بالقوة، وإنما تُقنع بالحجة والبرهان.
ومن المنظور المقاصدي، فإن هذا التوجيه القرآني ينسجم مع مقاصد الشريعة الكبرى التي تروم حفظ الدين، لكن ليس بمعنى الإكراه عليه، بل بمعنى صيانته من التشويه، وتقديمه في صورته الحقيقية القائمة على الحرية والاختيار. ولذلك جاء النص القرآني قاطعًا في نفي الإكراه في الدين، فقال: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”. فالإيمان الذي يُبنى على القهر لا قيمة له، لأنه يفتقد إلى جوهره القائم على القناعة والرضا.
إن التنوع البشري الذي نراه في الأديان والثقافات واللغات ليس خللًا في النظام الكوني، بل هو جزء من حكمة إلهية عميقة، أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم”. فاختلاف الألسن والألوان، وما يستتبعه من اختلاف في الثقافات والرؤى، هو آية من آيات الله، أي علامة دالة على قدرته وحكمته، وليس سببًا للصراع أو الإقصاء .
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. فالتعارف هو الغاية من التنوع، لا التناحر، والتكامل لا التنافي. وهذه الآية تؤسس لفلسفة إنسانية راقية ترى في الآخر فرصة للاكتشاف، لا تهديدًا يجب القضاء عليه. ومن هنا فإن الحوار بين الأديان والملل ليس مجرد مجاملة دبلوماسية أو ضرورة سياسية، بل هو امتثال لأمر إلهي، وتحقيق لمقصد شرعي.
وعندما نتأمل في السيرة النبوية نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جسّد هذا المعنى في أبهى صوره. فقد عاش في مجتمع متعدد الأديان، وكتب وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس المواطنة والعدل والتعاون. كما استقبل وفد نصارى نجران في مسجده، وترك لهم حرية أداء شعائرهم، في مشهد يعكس أرقى معاني التسامح الديني. وهذا السلوك النبوي ليس استثناءً، بل هو تطبيق عملي لمبادئ قرآنية ثابتة.
وقد ورد في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة”، وهذا يدل على حرمة الاعتداء على غير المسلمين الذين يعيشون في كنف المجتمع الإسلامي. كما قال عليه الصلاة والسلام: “ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة”. وهذه النصوص تؤكد أن العدل مع الآخر ليس خيارًا، بل هو واجب ديني.
إن من يظن أن الإسلام جاء ليفرض نفسه بالقوة، أو ليجعل البشرية على دين واحد قسرًا، يتجاهل سنن الله في الكون، ويتصادم مع النصوص الصريحة التي تقرر أن الاختلاف سنة كونية لا يمكن رفعها، قال تعالى: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”. فهذا الاختلاف ليس طارئًا، بل هو جزء من طبيعة الوجود الإنساني. ولو أراد الله توحيد الناس على دين واحد لفعل، لكنه شاء أن يكون الإيمان اختيارًا، لا إكراهًا.
ومن هنا فإن محاولة فرض الدين بالقوة ليست فقط مخالفة للأخلاق الإسلامية، بل هي أيضًا معارضة لإرادة الله الكونية. ولذلك جاء التحذير القرآني واضحًا: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”. فالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المبلّغ عن الله، لم يُكلّف بإجبار الناس على الإيمان، بل بتبليغ الرسالة، وترك حرية الاختيار لهم.
ومن زاوية فلسفية، يمكن القول إن الإسلام يقدم تصورًا متوازنًا للعلاقة بين الحقيقة والحرية. فهو يؤمن بوجود حقيقة مطلقة، لكنه في الوقت نفسه يقر بحق الإنسان في البحث عنها واختيارها. وهذا التوازن يمنع الانزلاق إلى التطرف والتكفير والتفسيق ..كما يمنع في الوقت ذاته الوقوع في الإرهاب الفكري الذي يفرض الحقيقة بالقوة .
إن الحوار في الإسلام ليس فقط وسيلة للتعايش، بل هو أيضًا أداة لاكتشاف الحقيقة. فالإنسان لا يملك الحقيقة كاملة، بل يسعى إليها من خلال التفاعل مع الآخرين. ولذلك فإن الانغلاق على الذات يحرم الإنسان من فرص التعلم والتطور. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى عندما دعا إلى الاستماع إلى القول واتباع أحسنه، فقال: “فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”.
وفي ضوء هذا الفهم، يصبح الاختلاف مصدر غنى، لا سببًا للفرقة. فكل ثقافة تحمل جانبًا من الحقيقة، وكل تجربة إنسانية تضيف إلى رصيد المعرفة البشرية. ومن هنا فإن الإسلام لا يدعو إلى ذوبان الهويات، بل إلى تفاعلها في إطار من الاحترام المتبادل .
وإذا انتقلنا إلى الواقع المعاصر، نجد أن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى هذا النموذج الإسلامي في الحوار والتعايش. فالصراعات الدينية والثقافية التي يشهدها العالم تعود في كثير منها إلى غياب هذا الفهم العميق للتنوع. ولو تم استحضار القيم القرآنية في هذا المجال، لأمكن بناء عالم أكثر عدلًا وسلامًا.
غير أن هذا يقتضي أيضًا مراجعة بعض الممارسات التي تُنسب إلى بعض المسلمين ، لكنها في الحقيقة تخالف روحه ومقاصده. فالتشدد والغلو، ومحاولة فرض الدين بالقوة، كلها ظواهر تنبع من فهم قاصر للنصوص، وتؤدي إلى تشويه صورة الإسلام. ولذلك فإن تجديد الخطاب الديني في هذا المجال أصبح ضرورة ملحة، لإبراز البعد الإنساني في الرسالة الإسلامية.
إن الإسلام، في جوهره، دين يكرّم الإنسان، ويمنحه الحرية والمسؤولية. وهذه الكرامة تقتضي احترام اختياراته، حتى وإن اختلفت مع قناعاتنا. فالله سبحانه وتعالى هو الذي سيتولى الحساب يوم القيامة، وليس البشر. قال تعالى: “إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم”.
وفي الختام، يمكن القول إن رسالة الإسلام هي دعوة مفتوحة إلى الإنسانية جمعاء، تقوم على الحوار والتعارف، وتحترم التنوع بوصفه آية من آيات الله. وهي رسالة ترفض الإكراه، وتؤمن بأن الإيمان الحقيقي لا يكون إلا عن قناعة. ومن هنا فإن أي محاولة لفرض الدين بالقوة ليست فقط خطأً في الوسيلة، بل انحراف عن جوهر الرسالة نفسها. فالإسلام لا ينتشر بالسيف، بل بالكلمة الطيبة، وبالقدوة الحسنة، وبالعدل الذي يجذب القلوب قبل العقول .
التعليقات