عبر محراب الغسق: يفنى الحس ويبقى المعنى

11 مايو 2026

د. محمد غاني ـ كاتب، المغرب
إن المتأمل في لوح ملكوت السماوات والأرض بعين الفكرة و العبرة و البصيرة، يدرك أن حركة الأفلاك والأجرام والمجرات ليست في الحقيقة مجرد تعاقب ميكانيكي للزمن، بل هي إشارات قدسية ورموز علوية تخاطب الروح أكثر من كونها تخاطب العقل أو الجسد في رحلة أبدية للانسان نحو سماوات العرفان القدسية.

ومن أعظم هذه الرموز تجليا هو مفهوم الغسق؛ تلك اللحظة البرزخية التي يودع فيها النهار ضياءه المادي، ليفسح المجال لسواد الليل الذي ليس هو في الحقيقة عند أهل الشهود والمعنى إلا ستارا يسدل على عالم الشهادة ليفتح أبواب عالم الغيب.

لا غرو أن الغسق إنما هو بوابة الانخلاع عن عالم الحس، حيث يعد الغسق في المنظور العرفاني لحظة النزع الروحي من قيود المادة. فبينما تغيب الشمس الحسية، يبدأ العارف بالله الغارق بقلبه في شهود المعنى في استشعار غياب الأغيار عن مرآة قلبه.

إن الضوء الباهر للنهار، برغم جماله، قد يكون حجابا كثيفا، لأنه يغرق النفس في تفاصيل الكثرة، ويشغل الحواس بصور المكونات وزخرفها.

أما الغسق، فهو بداية الخمول المحمود، حيث تبدأ الصور المادية في التلاشي، ويخفت ضجيج العالم الخارجي، مما يهيئ الروح لعملية الفناء عن الحس.

إن الليل لا يعطي للناظر في نظره سوى نفسه، فهو يدرك ولا يدرك به، فإنه غيب وظلمة.

في هذه الظلمة، يفقد الحس أدواته، فالعين لا ترى، والأذن تسكن، واللمس يتراجع، وهنا تبدأ الروح في استعادة سلطتها.

إن سواد الليل ليس عدما، بل هو امتلاء بالمعنى الذي لا تدركه الحواس المحدودة. انه هو الحالة التي يسود فيها نور الغسق، وهو النور الذي من شدة سطوعه في عالم الغيب، يظهر للعين الحسية كظلمة، تماما كما تبدو الشمس بقعة سوداء لمن حدق فيها طويلا.

لا مندوحة ان سواد الليل انما هو في الحقيقة بقاء بأنوار المعنى فعندما يتحقق الفناء عن الحس بسواد الليل، يشرق في باطن العارف فجر المعنى، هذا هو البقاء الذي يتلو الفناء، بقاء الروح بمشاهدة الحق منزهة عن شوائب التشبيه والصور المادية.

إن الظلمة هنا تعمل كـ غرفة مظلمة (Camera Obscura) تتركز فيها أشعة الحقيقة لتنطبع على لوح القلب الصقيل.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...