طريق النجاة: موجبات الرحمة، وعزائم المغفرة

جمعه: د. يوسف الحزيمري
خلق الإنسان ضعيفا، تستهويه الشياطين، ومعرضا للخطأ في الأقوال والأفعال، تستغويه أهواء النفس الأمارة بالسوء، وتحتاله وساوس الجِنَّة والناس، ومع هذا لم يتركه الله عز وجل عرضة لكل ذلك، بل بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وهادين إلى الطريق القويم المستبين، وعرفه أنه لم يخلق عبثا، وإنما خلق للتوحيد والعبادة، وأن هذه الحياة الدنيا هي دار ابتلاء بالخير والشر، والإكرام والإهانة، قال تعالى: {فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [البقرة: 38-39]، فكان الهدى مفسرا بالرسول والكتاب، وهما المحجة البيضاء، من سار فيها، وتمسك بالكتاب وبما جاء عن رسول الله فقد نجا، ومن كذب وكفر فقد غوى وهوى.
ومن هنا كانت الرحمة الإلهية تقتضي، لتحقيق الهداية ببعث الرسل وإنزال الكتب، أن يظلَّ باب التوبة والمغفرة مفتوحًا دائمًا؛ نظرًا لطبيعة الإنسان الغرائزية، وانجراره وراء أهواء نفسه، وتعرُّضه للأمراض القلبية المُهلِكة، ولهذا وصف الله نفسه بأنه: {تَوَّابٞ رَّحِيمٞ}، وأنه: {هو ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}، إيذانًا بأن رحمته سبقت غضبه، وأن بابه لا يُغلَق في وجه تائب مُنيب.
فوصف ﻧﻔﺴﻪ تعالى ﺑﻜﻮﻧﻪ ﺭﺣﻴﻤﺎ، ﻭاﻟﺮﺣﻤﺔ ﺗﻔﻴﺪ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﻓﻜﺎﻥ ﻗﻮﻟﻪ: {ﺇﻧﻪ ﻫﻮ اﻟﻐﻔﻮﺭ} ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺇﺯاﻟﺔ ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﻌﻘﺎﺏ، ﻭﻗﻮﻟﻪ: {اﻟﺮﺣﻴﻢ} ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﺼﻴﻞ ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﺮﺣﻤﺔ.
ومن ثم ورد في جملة الدعاء في صلاة الحاجة قوله : (أسألكَ موجباتِ رحمتكَ، وعزائمَ مغفرتك).
و(موجبات الرحمة): “أي الخصال الحميدة الموجبة لرحمة الله والمقتضية عنايته، والتيتوجب دخول الجنة.
و(عزائم المغفرة): هي الأسباب التي يعزمُ له بها الغفران ويُحقِّقُهُ، وعزائم “جمع عزيمة، بمعنى معزومة، أي مقطوع بوقوعها، أو عازمة أي قاطعة لكل وصمة وذنب، أي أسألك أنواعا من المغفرة يحتم حصولها بإرادتك له، أو تقطع عني كل تقصير مانع من استجابة الدعاء»، وقال في «روح البيان»: “أي أسألك أن توفقنى للأعمال التي تغفر لصاحبها لا محالة”.
قال الطيبي: “أي أسألك أعمالاً تتعزَّم وتتأكَّد بها مغفرتك”.
وسؤال الله عز وجل موجبات الرحمة، وعزائم المغفرة والتوفيق إليهما، ﻳﻔﺘﺢ ﺑﺎﺏ اﻟﻌﻤﻞ، ﻭﻳﺠﺘﻬﺪ ﺑﻪ اﻟﻌﺒﺪ ﺃﻥ ﻳﺄﺗﻲ ﺑﻬﺬﻩ اﻷﻋﻤﺎﻝ ﻭﺃﻣﺜﺎﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﻋﺰاﺋﻢ اﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺑﻴﻦ اﻟﺨﻮﻑ ﻭاﻟﺮﺟﺎء ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} [المؤمنون: 60].
فحري بالعباد اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭاﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﻭاﻟﻨﺠﺎﺓ ﻭاﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﺁﻓﺎﺕ اﻟﻌﻘﺎﺏ ﻭﻭﻳﻼﺗﻪ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ.
وﻄﻮﺑﻰ ﻟﻌﺒﺪ ﻭﻓﻖ ﻟﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺭﺯﻕ ﻋﺰاﺋﻢ اﻟﻐﻔﺮاﻥ ﻭاﺳﺘﻤﺮﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ اﻟﺨﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﻦ اﻟﺨﺎﺗﻤﺔ، وقد أمر الله بالإسراع إلى ذلك، قال تعالى: {وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، “أي: سارعوا أيها الناس مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار، وهو الميدان، {إِلَى مَغْفِرَةٍ} عظيمة كائنة {مِنْ رَبِّكُمْ} ومالككم، أي: سارعوا إلى أسبابها وموجباتها كالاستغفار وسائر الأعمال الصالحة…”.
وقد انتبه بعض أرباب القلوب إلى لفظة الدعاء (موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك)، وهو شهاب الدين ﺃبو اﻟﻌﺒﺎﺱ ﺃﺣﻤﺪ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ اﻟﺮﺩاﺩ اﻟﻴﻤﺎني اﻟﻤﺘﺼﻮﻑ (تـ821هـ)، وألف في ذلك كتابا سماه: (ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﻋﺰاﺋﻢ اﻟﻤﻐﻔﺮﺓ)، قال في كشف الظنون: “ﻭﻫﻮ ﻣﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ: ﺃﺣﺪ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻓﻲ: اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ، ﻭاﻷﺫﻛﺎﺭ، ﻭاﻟﻌﺒﺎﺩاﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﻞ اﻟﻴﻮﻡ، ﻭاﻟﻠﻴﻠﺔ، ﻭﻫﻮ: ﻛﺘﺎﺏ ﺣﺴﻦ ﺟﺪا، ﻓﻲ: ﻣﺠﻠﺪ ﺿﺨﻢ”.
وقال عنه الزركلي في الأعلام: “(ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ اﻟﺮﺣﻤﺔ) ﻓﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ، ﻏﺮﻳﺐ ﻓﻲ ﺑﺎﺑﻪ” وهو كذلك إذ يعد من المصنفات الفريدة والموسوعية في التراث الإسلامي، حيث يجمع بين دفتيه علم الحديث، والفقه، والسلوك الأخلاقي والرقائق بشكل ممتزج ومتكامل.
وللحافظ ابن حجر كتاب «معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة»، قال المناوي في فيض القدير: «جمع فيه ستة عشر خصلة تكفر ما تقدم وما تأخر»، ولخص كتاب الحافظ ابن حجر الحافظ السيوطي في جزء، وجملة ما تحصل من ذلك من الأحاديث سبعة عشر خصلة، وقد نظمها الحافظ السيوطي في أبيات…، ونظمها العلامة محمد الطيب بن كيران الفاسي (تـ1172هـ) على ما عدده الحافظ السيوطي، وللشيخ العلامة سيدي عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي المالكي (تـ 1230هـ) نظم آخر، ونظمها أيضا الفقيه محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب عبد الله الولاتي وشرحها، وللشيخ عبد الله بن الحاج ابراهيم بن الإمام العلوي (تـ 1233هـ) “شرح نظم الخصال المكفرة للذنوب”.
قال الشيخ عبد الله التليدي في مقدمة كتابه في الموضوع ذاته والموسوم بـ: “ﻧﺰﻝ ﺍﻷﺑﺮﺍﺭ ﺑﺘﻜﻔﻴﺮ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ ﻭﻣﺎ ﺗﺄﺧﺮ” ما نصه: “ﻭﺃﺷﻬﺮ ﻣﻦ ﺃﻟﻒ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺍﺑﻦ ﺣﺠﺮ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻠﻪ الخصال المكفرة للذنوب المتقدة والمتأخرة” ﻭﺍﺧﺘﺼﺮﻩ ﺍﻟﺴﻴﻮﻃﻲ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻭﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻷﺫﺭﻋﻲ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻟﻪ ﺑﺸﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﺑﺘﻜﻔﻴﺮالذنوب” ﻭﻫﺬﺍ ﺃﺷﻬﺮﻫﺎ ﻭﺃﻛﺜﺮﻫﺎ ﺍﻧﺘﺸﺎﺭﺍ، ﻭﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻟﻤﺤﺪﺙ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ الدبيع له: “ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻮﺏ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻐﻔﺮ ﺍﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻪ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ”، ﻭﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﻣﺤﻤﺪ الحطاب شارح مختصر خليل رحمهما الله تعالى له: “ﺗﻔﺮﻳﺢ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ بالخصال المكفرة لما تقدم وتأخر من الذنوب”، ﻭﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺳﻴﺪﻱ ﻣﺤﻤﺪ بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى له: “ﺷﻔﺎء ﺍﻷﺳﻘﺎﻡ ﻭﺍﻵﻻﻡ ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻔﺮ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻭﻣﺎ تأخر من الذنوب”، ﻭﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﺎﺑﺎ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻲ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻟﻪ: “تنوير ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﺑﺘﻜﻔﻴﺮ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺎﺕ ﻟﻠﺬﻧﻮﺏ” وغير ذلك”.
والمؤلفات في هذا المهيع كثيرة، تدل على الحرص التربوي والدعوي للعلماء في تسهيل الحفظ والاستحضار من خلال صياغة الخصال المكفرة للذنوب نظما ونثرا، شحذا للهمم نحو الطاعات، وتحفيزا للمسلمين للقيام بالأعمال الصالحة في حياتهم اليومية.
وإن مما يُقرِّبنا من هذه الرحمة الواسعة، ويُدنينا من تلك المغفرة الشاملة، أن نجعل سعينا الدائم في الدنيا منصبًّا نحو تحصيل موجباتها، والتشمير عن ساعد الجد في بلوغ عزائمها، إذ الأمة التي تعرف طريق المغفرة لا تيأس من روح الله، والأمة التي تسلكه بعمل وصدق لا تُخذَل بإذنه تعالى.
فليُجدِّد المسلم عهده مع ربه في كل يوم، وليسأله موجبات رحمته وعزائم مغفرته، وليُعقِب الدعاءَ عملًا، والرجاءَ سعيًا؛ فإن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، وهو الغفور الرحيم الذي وسعت رحمتُه كلَّ شيء، وسبقت مغفرتُه غضبَه، وكان بعباده التوابين رؤوفًا رحيمًا.




التعليقات