شريعة بلا قواعد علمية
الناجي لمين. دار الحديث الحسنية. الرباط
من الأعطاب التي حدثت في منهج الفتوى أن يقول المفتي في المسألة المعروضة عليه: هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، والأيسر على الناس هو قول فلان أو رأي علان!!
هذا المنهج المختل لا تجده في أي تخصص من تخصصات الدنيا، لأن الذي يحكم العلمَ (أيَّ علم) هي القواعد، وليس ما يراه الشخص أَيسر، فالعالم في أي تخصص إذا استُشير يُجيب انطلاقا من القواعد التي تعلمها، وبعبارة أوضح: يجيب انطلاقا من المدرسة التي ينتمي إليها ويتقن أصولها وقواعدها.
والشريعة علم له قواعده ومدارسه ومصادره.. فالمتشرع إذا استُشير عليه أن يبني استشارته الفقهية على القواعد العلمية، أي على المذهب الذي يتقنه، ويعرف مداخله ومخارجه. هذا إن كان له مذهب ينتمي إليه، أو قواعد يتقنها.
هذا أولا.
ثانيا: الذي يتعرض للمذاهب ويختار منها قولا يقول بلسان الحال: “أنا مجتهد”، والذي يدعي الاجتهاد اليوم إما مجنون أو مغرور، لأنه يستحيل عادة أن يبلغ المتشرع درجة الاجتهاد في هذا الزمن البئيس، والأسباب كثيرة، منها عدم وجود “البيئة العلمية” لذلك، هل تعلمون مثلا أن العلامة عبد الرحمن بن عفان الجزولي ( وهو مالكي مغربي مقلد) كان يحضر مجلسَه في الدرس بفاس (في عهد المرينيين) ألف شيخ، كلهم يحفظون المدونة، إلا عالما يعرف ب”الفشتالي”، فإنه كان يحفظ التفريع. فهذا مجلس واحد فقط فيه ألف عالم بفاس، يحضرون مع الطلبة لمناقشة الشيخ الذي يُلقي الدرس. ومع ذلك لم يدع هذا الشيخ الاجتهاد، وحتى إن رغب في ذلك، فإنه لا يجرؤ على التصريح بذلك، فالجو العلمي الممتاز في عصره وقبل عصره وضَعه في حجمه الحقيقي. لأنه يرى قبله ابن رشد الجد والمازري، والقاضي عياض… وهم مالكية مقلدة.
ومن هذه الأسباب كذلك أن المتشرعة خارج الدائرة التي تُسَير المجتمع في الدولة الحديثة، ولذلك إذا قلت لي: هل يمكن أن يكون هناك قانوني قد بلغ درجة الاجتهاد في القانون المدني، أو الجنائي، أو التجاري، أو الإداري، أو الدستوري، أقول لك: نعم، لأن الدوافع لذلك موجودة، والأسباب متوفرة.
ثالثا: كثير من الناس عندهم تصور قاصر لمعنى المجتهد، يعتقدون أن كل من سب التاريخ والجغرافية يصير بذلك مجتهدا مُجدِّدا!! هل تعلمون ياسادة أن إمام الحرمين الجويني وحجة الإسلام الغزالي والنووي وتقي الدين السبكي وابن حجر العسقلاني… كلهم شافعية مقلدة؟ وأن الطحاوي والجصاص والسرخسي والبزدوي… حنفية مقلدة؟! وأن المازري والقاضي عياضا وقبلهما القاضي إسماعيل وابن القصار والقاضي عبد الوهاب، وقبلهم سحنون… مالكية مقلدة.
وقد ادعى مثلا الإمام السيوطي الاجتهاد فلم يعترف له بذلك أحدٌ لا من معاصريه ولا من الذين جاؤوا بعدهم… وقد ادعى الشوكاني الاجتهاد وكتبُه العلمية عبارة عن ملخصات لكتب سابقة لعلماء لم يدعوا الاجتهاد.
رابعا: أما الذي يَدعو الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة وطرح المذاهب فهو يدعوهم إلى شريعة غير مُعَرَّفة، لأن القرآن والسنة ليسا جلبابا يلبس، بل هما نصوص تحتاج إلى فهم، فهو في الحقيقة يدعو الناس إلى فهمه السقيم للكتاب والسنة، ويُحيلهم في حل مشاكلهم وتدبير علاقاتهم إلى القانون الوضعي، لأن الكتاب والسنة ليسا فصولا وأبوابا تتعلق بالعبادات والمعاملات، فيها: إن كان كذا فحكمه كذا، وإن كان كذا فحكمه كذا، وما هي شروط القاضي، وما هي أدب القضاء، وما هي شروط المفتي، وتقاليد الفتوى…، هذا كله موجود في كتب المذاهب، وهو يعتبرها آراء رجال، وتكرس التخلف والتقليد، والنتيجة أنه يعتبر ما يقوله هو الشريعة التي لا يجوز خلافها.
والله أعلم.
التعليقات