الستر بوصفه حاجة وجدانية حضورية: من جوع البدن إلى جوع المعنى

3 يونيو 2026

الدكتور رفيق الناوي

لا ينبغي النظر إلى الستر، في أفق بحثنا في “الجسد في الحداثة المتأخرة؛ من سوسيولوجيا التعرّي إلى سوسيولوجيا الستر- مساهمة في التقعيد” (سيصدر قريبا)، بوصفه مجرّد قاعدة خارجية مفروضة على الجسد من جهة المجتمع أو العرف أو التشريع، وإنّما بوصفه حاجة وجدانية أصلية، يدركها الإنسان في نفسه إدراكًا مباشرًا، لا يحتاج إلى برهان خارجي، كما يدرك الجوع والعطش والألم والخوف. فالإنسان حين يقول: “أنا جائع”، لا يطلب منه أحد أن يقيم دليلًا على جوعه؛ لأن الجوع حاضر في نفسه حضورًا وجدانيًا، أي معلوم له بالعلم الحضوري لا بالاستدلال النظري. وكذلك الشأن، في مستوى أعمق، بالنسبة إلى الحاجة إلى الستر؛ فهي ليست مجرد معرفة مكتسبة من الخارج، بل شعور داخلي بانكشافٍ ينبغي أن يُدفع، وبنقصٍ ينبغي أن يُرمّم، وبحرمةٍ ينبغي أن تُصان.

ومن هنا تكتسب الآية القرآنية في قوله تعالى: “إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى” (طه،116) دلالة تأسيسية بالغة العمق؛ إذ يقرن الخطاب القرآني بين الجوع والعري، لا على سبيل الجمع العرضي بين حاجتين متفرقتين، بل على سبيل الكشف عن نمطين من النقص يمسان الإنسان في أصل قيامه: نقص بدني يتمثل في الجوع والعطش، ونقص رمزي وجودي يتمثل في العري والانكشاف. فكما أن الجوع يهدد الجسد في امكان استمراره، فإن التعرّي يهدده (الجسد) في شرط آدميته(أصله)؛ وكما أن الطعام يحفظ الحياة البيولوجية، فإن الستر يحفظ الحياة الإئتمانية والأخلاقية للإنسان.

غير أن القرآن لا يقف عند بيان العري بوصفه نقصًا، بل يكشف عن استجابة الإنسان الأولى لهذا النقص حين يقول في قصة آدم وزوجه: “فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة” (طه، 118). إن هذه الحركة الأولى نحو الستر ليست تفصيلًا سرديًا عابرًا، بل هي لحظة أنثروبولوجية كبرى؛ فالإنسان، بمجرد أن أدرك انكشافه، تحرك نحو المواراة. لم يحتج آدم إلى درس خارجي في معنى الستر، ولا إلى برهان عقلي على ضرورة تغطية السوأة؛ لقد وجد نفسه عاريًا، فاستيقظ فيه العلم الحضوري بالحاجة إلى الستر. ومن ثمّ، فإن فعل “يخصفان” يدل على أن الستر لم يكن لاحقًا ثقافيًا فقط، بل كان استجابة وجدانية مباشرة لانكشافٍ لم تعد الذات قادرة على احتماله.

بهذا المعنى، لا يكون العري مجرد غياب لباس، بل يكون ظهورًا لنقصٍ يشعر به الإنسان في ذاته. أما التعرّي، حين يتحول إلى ممارسة مقصودة ومعلنة ومطَبَّعة، فهو لا يدل فقط على كشف الجسد، بل على تراجع الحسّ الذي كان يجعل الإنسان يشعر بضرورة الستر. وهنا تتضح إحدى أخطر نتائج الحداثة المتأخرة وثقافة الصورة: إذ أنها لا تكتفي بتغيير أنماط اللباس، بل تعيد تشكيل الحس ذاته؛ فتجعل الإنسان يرى ما كان ينبغي أن يُستشعر بوصفه انكشافًا مؤلمًا موضة حداثية. وهذه هي اللحظة الأخطر: أن يفقد الإنسان الإحساس بالانكشاف، لأن فقدان الإحساس ليس نقصًا عاطفيًا فقط، بل هو فقدان لنوع من العلم ومن فقد حسا فقد علما.

فالحياء، في هذا المستوى، ليس مجرد انفعال أخلاقي عابر، بل هو جهاز معرفي داخلي؛ به يعرف الإنسان حدوده، وبه يميز بين ما يجوز إظهاره وما ينبغي صونه، وبه يشعر بأن الجسد ليس مادة سائبة ومستباحة في فضاء النظر، بل موضع حرمة ومعنى. لذلك كان فقدان الحياء فقدانًا لعلم مخصوص؛ علم لا يمر عبر المفاهيم المجردة، بل عبر الوجدان الحيّ. ومن فقد هذا العلم، لم يعد يرى في التعرّي سقوطًا، ولا في الابتذال خطرًا، ولا في تحويل الجسد إلى واجهة بصرية مساسًا بالكرامة ومسحا للإنسانية وتساقطا إلى ما دون البهيمية “لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولائك كالأنعام بل هم أضل أولائك هم الغافلون” (الأعراف، 179) . إنه لا ينكر الستر بالحجة فقط، بل يفقد القدرة على الشعور بالحاجة إليه.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة قوله تعالى في سياق آخر: “ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون” (البقرة، 11)، لا بوصفه نصًا خاصًا بالتعرّي، وإنما بوصفه قانونًا قرآنيًا عامًا في تشخيص حالات الفساد التي تفقد وعيها بنفسها. فالخطر لا يكمن فقط في أن يفسد الإنسان، بل في أن يفسد وهو يظن أنه يُصلح؛ ولا يكمن فقط في أن يتعرّى، بل في أن يتعرّى وهو يظن أنه يتحرر؛ ولا يكمن فقط في أن يفقد الستر، بل في أن يفقد الشعور بأن فقدان الستر فقدانٌ لشيء جوهري في إنسانيته قد ينتهي به إلى حد مسخه.

ومن هنا تتضح العلاقة العميقة بين الستر والتقوى في قوله تعالى: “يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير”. فالآية لا تجعل اللباس مجرد أداة مادية لمواراة الجسد، بل تربطه بلباس أعلى هو لباس التقوى. وهذا الربط يكشف أن التعري الجسدي ليس منفصلًا عن التعري القيمي؛ فحين ينهار الستر الخارجي بوصفه علامةً على غياب الحياء، يكون ذلك في الغالب تعبيرًا عن تصدع أعمق في الستر الداخلي، أي في التقوى، وفي الإحساس بالحد، وفي الشعور بأن الإنسان ليس جسدًا معروضًا، بل ذات مؤتمنة على جسدها.

وتتأكد هذه الرؤية في قوله تعالى عن إحدى ابنتي شعيب: “فجاءته إحداهما تمشي على استحياء” (القصص، 25). فالقرآن لم يقل: “تمشي باستحياء”، بل قال: “على استحياء”، وكأن الحياء لم يكن مجرد صفة عارضة في حركتها، بل أرضية وجودية تمشي عليها، ومقامًا أخلاقيًا يحمل جسدها، ويضبط ظهورها، ويمنح حضورها وقاره. إن الحياء هنا ليس تصنعًا، ولا تكلّفًا، ولا مجرد طريقة في المشي، بقر ما هو هيئة وجودية؛ بمعنى أن الجسد يتحرك داخل أفق قيمي سابق عليه، وأن الظهور لا ينفصل عن المعنى الذي يحرسه.

بهذا الاعتبار، يصبح الستر تكاملًا معرفيًا وأخلاقيًا في آن واحد. فالإنسان كلما ارتفع وعيه بحاجته إلى الستر، ارتفع معه منسوب حضوره الأخلاقي، وكلما تبلّد إحساسه بهذه الحاجة، اقترب من حالة التسافل التي تجعل الجسد حاضرًا بلا معنى، والحرية منفلتة بلا كرامة، والظهور متاحًا بلا حرمة. وليس المقصود أن الستر شرط لتحرر الإنسان من الاستباحة لا قيد عليه؛ فالإنسان يتحرر حين يملك حقه في أن لا يكون كله مرئيًا، وأن لا يُختزل في جسده، وأن لا يُدار وجوده بمنطق الإثارة والنظر والاستهلاك؛ لا حين يصبح معروضًا لكل عين، مستباحا لكل نظر طعاما لكل شهوة وطعما لكل صيد وصيدا لكل جارحة.

ومن ثمّ، فإن فلسفة الستر في الإسلام المحمدي المهدى رحمة للعالمين تقوم على إنقاذ الجسد من أن يصير شيئًا، لا على نفيه. إنها لا تطلب إخفاء الإنسان، و إنّما تسعى لصيانة معناه. ولا تجعل اللباس مجرد غطاء، بل تجعل الستر لغةً للكرامة، والحياء علمًا حضوريًا بالحد، والتقوى لباسًا داخليًا يحرس الإنسان من العري الأخطر: عري القيمة، وعري الروح، وعري المعنى/المسخ.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...