الزاوية الوزانية بين إشكالية المشيخة وصمت النخبة: مقاربة تحليلية في المسؤوليات والاختلالات
محمد التهامي القادري
تكشف الأحاديث المتداولة بين عدد كبير من الشرفاء الوزانيين داخل مدينة وزان وخارجها عن حالة متنامية من القلق والحسرة إزاء ما آلت إليه أوضاع الزاوية الوزانية. فكلما انفتح الحديث حول شؤونها برز خلف الكلمات شعور عميق بالأسى تجاه واقع مؤسسة شكلت، عبر مراحل طويلة من التاريخ، منارة روحية وعلمية واجتماعية، ومركز إشعاع امتد أثره إلى مختلف جهات المغرب وخارجه. ولا تبدو هذه الحسرة مجرد تعبير عاطفي عن الحنين إلى الماضي، بقدر ما تعكس إدراكا متزايدا للفجوة التي اتسعت بين المكانة التاريخية التي راكمتها الزاوية عبر القرون وبين واقعها الراهن.
فكثير من الشرفاء الوزانيين يرون أن إرثا رمزيا وماديا ضخما ظل يتعرض، على امتداد عقود طويلة، لأشكال متعددة من الإهمال والتفريط وسوء التقدير، وأن ما كان يفترض أن يشكل رافعة للتضامن الاجتماعي والتنمية البشرية وحفظ الكرامة المعنوية لأبناء الزاوية وغيرهم من أبناء المدينة، تحول إلى مصدر دائم للتساؤل والقلق والتوجس. ويزداد هذا الشعور حدة حين يقارن بعض أبناء العائلة الوزانية بين حجم الموروث التاريخي الذي خلفه الأجداد وبين أوضاع عدد من الشرفاء الذين يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة تتراوح بين التهميش والعوز وضعف الإمكانات وقلة الحيلة. وهي مفارقة مؤلمة تدفع إلى التساؤل عن الكيفية التي أمكن بها لمؤسسة تمتلك هذا الرصيد الرمزي والمادي الهائل أن تعجز عن بناء آليات فعالة لحماية أبنائها وصون إرثها وتحصين مستقبلها، وأن تتراجع من موقع الفاعل والمؤثر إلى موقع المدافع عن بقائه وعما تبقى من مكانته.
وفي خضم هذه التساؤلات تتجه الأنظار أولا إلى النخبة المثقفة من الشرفاء الوزانيين، باعتبارها الطرف الذي كان يفترض أن يؤدي دور العقل المفكر والضمير اليقظ والحارس الأمين للذاكرة الجماعية. فالنخب لا تقاس بقيمة شهاداتها العلمية أو بمكانتها الاجتماعية فحسب، وإنما بقدرتها على التدخل عندما تلوح مؤشرات التراجع، وعلى إنتاج المبادرات والأفكار والمشاريع القادرة على تصحيح المسار.
غير أن كثيرا من أبناء الزاوية يعتقدون أن هذه النخبة، بدرجات متفاوتة، لم ترتق إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، فاختارت في أحيان كثيرة الصمت أو الانكفاء أو الاكتفاء بالمراقبة من بعيد، تاركة فراغا فكريا وتنظيميا ساهم في تعميق الأزمة. فالصمت أمام الاختلالات لا يعتبر حكمة، والحياد أمام التراجع لا ينتج إصلاحا، والانكفاء عن أداء الواجب المعنوي تجاه الزاوية الوزانية لا يمكن اعتباره موقفا سديدا في لحظات التحول الحاسمة. غير أن الأزمة لا تختزل فقط في غياب النخبة أو ضعف حضورها، بل تمتد إلى الخيارات التي أفضت إلى إسناد مسؤوليات كبرى، وفي مقدمتها المشيخة، إلى جهة يرى كثير من الشرفاء الوزانيين والمهتمين بشؤون الزاوية أنها لم تكن تتوفر على الحد الأدنى من المؤهلات الفكرية والثقافية والتدبيرية التي تؤهلها لقيادة مؤسسة ذات حمولة تاريخية وروحية بهذا الحجم، ولم تكن تملك من أدوات الرؤية والتدبير ما يمكنها من مواجهة التحديات المتراكمة أو استيعاب حجم المسؤوليات المرتبطة بتسيير شؤون الزاوية. وقد شكل هذا المعطى، في نظر عدد من المتابعين، أحد أبرز الأسباب التي ساهمت في تفاقم الأزمة وتعميق مظاهر التراجع التي تعيشها الزاوية اليوم.
المشيخة ليست لقبا اجتماعيا ولا امتيازا رمزيا فحسب، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب علما وحكمة وخبرة ورؤية استراتيجية وقدرة على التواصل والتدبير واستيعاب التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والدولة. ولذلك فإن الاختلال في معايير الاختيار وفي تقدير الكفاءة انعكس مباشرة على المؤسسة بأكملها، لأن القيادة في هذه المؤسسسة الروحية والتاريخية ليست شأنا شخصيا، وإنما قضية ترتبط بمصير العائلة الوزانية قاطبة وبحفظ إرث ممتد عبر الأجيال.
أما المسؤولية الثالثة فتتعلق بالجهة القائمة على تدبير شؤون المشيخة والزاوية، وهي مسؤولية لا يمكن إعفاؤها من المساءلة التاريخية والأخلاقية، لأن المؤسسات لا تستمد مشروعيتها من الماضي وحده، بل من قدرتها المستمرة على خدمة المنتسبين إليها وإدارة شؤونهم وفق مبادئ الحكامة والشفافية والنجاعة. وعندما بدأ الشرفاء ومن لهم ارتباط بالزاوية يشعرون بأن قضاياهم لا تجد من يصغي إليها، وأن أوضاعهم لا تحظى بالعناية المطلوبة، وأن القرارات تتخذ بعيدا عن روح المشاركة والتشاور، بدأت الثقة تتآكل شيئا فشيئا، وتحول الانتماء من مصدر اعتزاز إلى شعور بالخيبة والمرارة.
لقد أفرزت هذه التراكمات وضعا بات يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة النموذج الذي أُديرت به الزاوية الوزانية خلال العقود الأخيرة. فالمشكلة لا تبدو مرتبطة بأخطاء ظرفية أو أحداث معزولة، بل بمنطق كامل في التفكير والتدبير ظل يراهن على قوة الماضي أكثر مما يراهن على صناعة المستقبل، ويستثمر في الرصيد الرمزي أكثر مما يستثمر في البرامج والمشاريع، ويعتمد على المشروعية التاريخية أكثر مما يعتمد على الفعالية والكفاءة والإنجاز.
لقد عَلَّمَنا التاريخ أن المؤسسات التي تكتفي باستهلاك أمجادها القديمة دون أن تجدد أدواتها ورؤيتها وآليات اشتغالها، تتحول تدريجيا إلى كيانات مثقلة بالذاكرة وعاجزة عن التأثير. ولعل أخطر ما يهدد الزاوية الوزانية اليوم ليس ما يأتيها من الخارج، بل ما يتولد في داخلها من مظاهر العجز عن المراجعة والتجديد. كما أن الاحترام الواجب للمؤسسات التاريخية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل النقاش أو تحريم المساءلة أو إقصاء الأصوات المطالبة بالإصلاح.
والحقيقة التي بات كثير من الشرفاء الوزانيين يرددونها في مجالسهم الخاصة هي أن الزاوية لا تعاني من أزمة موارد بقدر ما تعاني من أزمة رؤية، ولا من نقص في التاريخ بقدر ما تعاني من ضعف في استثمار هذا التاريخ، ولا من غياب الإمكانات البشرية بقدر ما تعاني من سوء توظيف الكفاءات الموجودة داخل الأسرة الوزانية وخارجها. ولذلك فإن استمرار الأوضاع على ما هي عليه لا يعني سوى تعميق حالة الإحباط وفقدان الثقة وتوسيع الهوة بين الزاوية وأبنائها والمجتمع.
كما أن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة شجاعة وصريحة لا تستثني أحدا من دائرة المسؤولية، بدءا من النخب المثقفة التي قصرت في أداء دورها التأطيري، مرورا بكل من ساهم في تكريس اختيارات لم تجعل الكفاءة والاستحقاق في صدارة المعايير، وانتهاء بالقائمين على تدبير شؤون الزاوية الذين يتحملون مسؤولية مباشرة عن حصيلة السنوات الماضية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالبحث عن شماعات خارجية، وإنما بالاعتراف الصادق بمواطن الخلل، وبإعادة بناء الثقة على أسس جديدة قوامها الشفافية والكفاءة والمشاركة والمسؤولية، وبالانتقال من ثقافة التبرير إلى ثقافة المحاسبة، ومن الاكتفاء بشرعية النسب إلى ترسيخ شرعية العلم والكفاءة والإنجاز في تدبير مؤسسة تحمل إرثا حضاريا وروحيا واجتماعيا يتجاوز حدود الأشخاص والاعتبارات الظرفية.
التعليقات