الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب: تحول جذري تجاه الإخوان.
ذ. أحمد حميدة
في السادس من أبريل الماضي، نشر البيت الأبيض وثيقة رسمية أعاد من خلالها رسم خريطة التهديدات الأمنية المحدقة بأمريكا، وذلك بشكل جذري، وتتمحور تلك الاستراتيجية حول نهج استباقي بمفهومه الشامل لحماية الأمن القومي الأمريكي، من خلال مسار المواجهة الفكرية، بعيدا عن العمل العسكري والملاحقات الأمنية.
لم تعد الجماعة تمثل مجرد تنظيم سياسي تحت مظلة شعارات دينية، بل تم إعادة تعريفها على أنها “أصل كل الإرهاب الإسلامي الحديث القائم على إعادة الخلافة الإسلامية، وقتل أو استعباد غير المسلمين”، ولذلك اتخذت خطوة تاريخية بإصدار أمر تنفيذي يُعلن بموجبه فرع الإخوان المسلمين الأصلي في مصر، إلى جانب فرعي الأردن ولبنان، منظمات إرهابية أجنبية، وسيتبعه فروع أخرى”، وهو ما يعكس تحولا حادا ومباشرا من قبل الإدارة الأمريكية في طريقة التعاطي مع الجماعة.
ووضعت تلك الاستراتيجية جماعة الإخوان في القلب من جماعات العنف الأخرى مثل “القاعدة، وداعش”، حيث لم تعد تنظر إليها الإدارة الأمريكية على أنها خصم سياسي فقط؛ بل باعتبارها الجذر الأيديولوجي الذي خرج من عباءته كل جماعات العنف؛ وهو ما يستوجب مواجهة فكرية قائمة على تفكيك المنظومة الفكرية المؤسسة، حيث أشارت الوثيقة في البيان إلى”أن جميع الجماعات الجهادية الحديثة من القاعدة وداعش إلى حماس تعود جذورها إلى منظمة واحدة هي جماعة الإخوان المسلمين”.
وفي هذا الصدد ذكر الخبير القانوني الفرنسي إيمانويل ديبون بأن وصف الإخوان بأنهم بنية فكرية منتجة للتطرف؛ يطرح إشكالية قانونية حساسة؛ إذ يفتح الباب أمام توسيع مفهوم التهديد ليشمل الأطر الفكرية أو الأيديولوجية، وليس فقط الأفعال العنيفة.
وأشارت الوثيقة أيضا إلى مواصلة الملاحقة للتنظيم ولشبكاته المالية والإعلامية والتنظيمية، وأكدت أيضا على أن الجماعة عبر تاريخها تلعب دورا محوريا في الترويج للإرهاب عبر شبكتها المنتشرة في العديد من الدول، لذلك تقول الوثيقة بأنه “سنواصل تصنيف فروعها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه كمنظمات إرهابية أجنبية لسحقها أينما تنشط”.
ولم تُفرق الوثيقة في طريقة التعاطي بين الإخوان، وبقية جماعات العنف الأخرى، حيث تم وضعها في صلب ما تم وصفه بـ”الإرهاب الإسلامي الحديث”، حيث تعكس تلك الاستراتيجية استهداف البنية الفكرية والتنظيمية وشبكات التمويل، حيث تنتهج نهجا شاملا بعكس الاستراتيجيات السابقة لأنها “تصنف الجماعات الإسلامية المسلحة ضمن التهديدات، وتدرج جماعة الإخوان المسلمين في صلب الإرهاب الإسلامي الحديث وتربط بينها وبين القاعدة وداعش”.
ويعلق الخبير الفرنسي ديبون أيضا قائلا: “إن الربط بين الإخوان وكل من القاعدة وداعش الإرهابيتين يعكس تشديدا في الخطاب الأمني، لكنه لا يعني بالضرورة وجود تكييف قانوني موحد، لأن كل تنظيم يخضع لمعايير مختلفة في قوانين مكافحة الإرهاب الدولية والوطنية”.
ووسعت الوثيقة أيضا دائرة الربط بين الإرهاب والجريمة العابرة للحدود؛ حيث تحدثت بشكل مباشر عن العلاقة بين تلك التنظيمات والكارتلات العابرة للحدود؛ باعتبار أن شبكات غسيل الأموال وتجارة المخدرات باتت تشكل مصدر تمويل لتنظيمات الإرهاب.
وفي النهاية تظل تلك الخطوة لا تغادر ميدان السياسة؛ باعتبارها خطوة ذات أبعاد سياسية بالأساس تخضع للعبة المصالح، لكن تكمن القوة في تلك الإجراءات إذا تمت ترجمتها فعليا إلى تصنيف قانوني مباشر.
التعليقات