الإمامة في الغرب بين الإنصاف والتعميم
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومرشد ديني بفرنسا
لا شك في أن المسلمين في السياق الغربي يواجهون تحديات تستدعي المعالجة والتطوير، ويبذلون جهودًا للتعامل معها. غير أن الإشكال لا يكمن في هذه التحديات ذاتها، بل في تعميم أحكام تُبنى على تجارب محدودة أو حالات استثنائية، بما يفضي إلى صورة غير منصفة لمؤسسة الإمامة، تُبرز مواطن القصور وتغفل ما يقابلها من جهود وإنجازات. كما أن كثيرًا من هذه الأحكام لا يستند أصحابها إلى تقييم علمي دقيق، بقدر ما تقوم على انطباعات وتعميمات لا تعكس الواقع في مجمله. ومن القواعد المنهجية أن نقد أي مؤسسة أو وظيفة ينبغي أن يصدر عمن يملك معرفة بمجالها وخصوصياتها، أو أن يستند على الأقل إلى تصور واضح وبديل عملي قابل للتطبيق. أما الاكتفاء بتشخيص الأعطاب دون تقديم حلول، فيبقى أقرب إلى النقد النظري منه إلى الإصلاح الحقيقي. فالإمامة ليست مفهومًا مجردًا، بل وظيفة دينية ومجتمعية لها تراكمها العلمي وخبرتها العملية، ومن ثم فإن الحكم عليها أو اقتراح بدائل لها يقتضي معرفة دقيقة بواقعها ومتطلباتها. كما أن الزعم بغياب الكفاءة لدى أئمة المسلمين في الغرب تعميم لا ينسجم مع الواقع؛ إذ توجد أعداد كبيرة من الأئمة والخطباء والعاملين في المراكز الإسلامية ممن يجمعون بين التكوين الشرعي ونصيب من المعرفة العلمية واللغوية في مجالات اخرى. لا يمكن إنكار وجود تفاوت في مستوى بعض التجارب، أو وجود نواقص تعتريها، كما لا يُنكر تأثر مجال الإمامة بمحاولات بعض التيارات الحركية للتأثير فيها أو توجيهها. غير أن معالجة هذه الإشكالات لا تكون بتعميم الحكم بالفشل على تجربة بأكملها بسبب أخطاء جزئية أو حالات محدودة، وإنما بالنقد البنّاء، والتقويم المستمر، والعمل على التطوير والإصلاح. كما أن بعض مظاهر التسيب أو الأخطاء قد تصدر عن أشخاص لا صلة لهم بالإمامة أصلًا، ثم تُنسب إلى الأئمة أو تُتخذ ذريعة لتشويه سمعة الأئمة الحقيقيين. وهو ما يفضي إلى استنتاجات غير دقيقة وتصوّرات لا تعكس الواقع على حقيقته. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة فعلا إلى نُظم قانونية تضبط هذا المجال في إطار دولة المؤسسات وتحميه من تلاعب المتلاعبين والمتطفلين، ولا يعني ذلك مصادرة استقلالية الإمام المؤهل الكفء أو فرض وصاية فكرية عليه، بل يهدف إلى تنظيم الممارسة المهنية وتحديد المسؤوليات والواجبات. فكما أن الطبيب أو المعلم العامل في مؤسسة عمومية يحتفظ باستقلاله المهني رغم انتمائه المؤسسي وخضوعه للقوانين المنظمة لعمله، كذلك يمكن للإمام أن يمارس رسالته باستقلالية ضمن إطار قانوني يضمن حسن الأداء وخدمة المصلحة العامة. إن شروط الإمامة تحدث عنها الفقهاء قديما وحديثا بناء على نصوص شرعية وواقعية وخبرة تاريخية، وهي قابلة للتنزيل وفق اختلاف السياقات دون المساس بأصولها. ومن المبالغة أيضًا اختزال الإمام في صورة الشخص غير القادر على فهم قضايا الشباب أو الواقع المعاصر لمجرد خلفيته الشرعية أو تكوينه التقليدي. فهذا تصور نمطي تجاوزه الزمن والواقع، خاصة وأن كثيرًا من الأئمة نشؤوا في بيئات متعددة واحتكوا بتجارب ثقافية واجتماعية مختلفة. كما أن التكامل بين التخصصات هو الأصل، بحيث لا يُطلب من الإمام أن يحل محل المختص الاجتماعي أو النفسي، بل أن يتعاون معهم ضمن منظومة متكاملة.
إن تطوير مؤسسة الإمامة حاجة قائمة وضرورية، لكن هذا التطوير لا يتحقق عبر التشكيك في مشروعيتها أو تقويض مكانتها، وإنما عبر دعم التأهيل والتكوين، وتعزيز الكفاءات، والاستفادة من الخبرات الناجحة، مع الحفاظ على رسالتها الأساسية التي تمثل جوهر وجودها عبر التاريخ. لقد بلغ ببعضهم الحد التطاول على مقام الإمامة، وكأن هذا المقام حائط قصير يمكن تجاوزه أو الحكم عليه بسهولة. والحال أن النقد المتعلق بهذا المجال يكون أقرب إلى الدقة والإنصاف حين يصدر عمّن مارس الإمامة وخبر تفاصيلها، واطّلع على واقعها من الداخل، لما يتطلبه ذلك من معرفة تخصصية وتجربة عملية. فليس من العدل أن يتصدر نقد هذا المجال من لم يشتغل به أو يحيط بتفاصيله ففاقد الشيء لا يعطيه.
التعليقات