إيران: صمت ثقيل يختزن ملامح التحول

23 يناير 2026

تحرير : أنوار المرجاني

منذ أواخر ديسمبر 2025، دخلت إيران مرحلة حرجة تتعمّد السلطة إبقاء ملامحها غامضة. ما بدأ بوصفه احتجاجًا اقتصاديًا تقليديًا تحوّل تدريجيًا إلى أزمة أعمق ذات طابع بنيوي. العامل الحاسم لم يكن اندلاع الغضب في حدّ ذاته، بل استمراره وتحوله الواضح إلى اعتراض سياسي صريح، بما يشير إلى عبور عتبة نفسية لدى شريحة معتبرة من المجتمع.

تُظهر أنماط التعبئة الأولى انتشارًا أفقيًا غير مألوف. لم تظل التظاهرات محصورة في فئة اجتماعية بعينها أو في أطراف هامشية، بل اندلعت في الوقت نفسه داخل مدن كبرى ومراكز حضرية ثانوية، ما يعكس تلاقي مظالم كانت متفرقة لسنوات. هذا النوع من التزامن لا يظهر عادة إلا حين تبدأ الآليات التقليدية للدولة في امتصاص السخط العام واستعادة الهدوء بفقدان فعاليتها.

جاء الردّ الأمني وفق منطق السيطرة السريعة. انتشار واسع للقوات، استخدام للقوة المميتة، وتجريم فوري للاحتجاج شكّلت ملامح المقاربة المعتمدة. وحتى الأرقام التي تعترف بها الجهات الرسمية، وهي مرتفعة على نحو لافت، توحي بالاعتماد المقصود على الردع عبر الخوف. ورغم الفجوات القائمة بين الحصائل الرسمية وتقديرات المصادر المستقلة، يتقاطع الطرفان عند حقيقة أساسية: مستوى العنف استثنائي ويتجاوز ما سُجّل في محطات قريبة.

يبرز الإغلاق شبه الكامل لوسائل الاتصال بوصفه مؤشرًا بالغ الدلالة. ففي الأنظمة السلطوية، لا تُعدّ عمليات قطع المعلومات أدوات ضبط فحسب، بل اعترافًا ضمنيًا بالهشاشة. حين تتخلى السلطة عن محاولة تبرير روايتها وتختار الصمت، فإنها تقرّ ضمنًا بأن معركة التأويل باتت محفوفة بالمخاطر. في هذا السياق، يغدو غياب الصور سلاحًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن استخدام القوة المباشرة.

داخليًا، اتخذ القمع طابعًا مؤسسيًا أكثر انتظامًا. اعتقالات موجّهة، ضغوط على العائلات، مصادرات للممتلكات، وإجراءات قضائية مُسرّعة تستهدف تفكيك الشبكات الاجتماعية غير الرسمية التي تُسند الاحتجاج. يمثّل ذلك انتقالًا من إدارة أزمة ظرفية إلى إعادة ضبط سلطوي أشمل، غايته جعل كلفة المعارضة الفردية مرتفعة ومستدامة.

خارجيًا، اتجه الخطاب الرسمي نحو إبراز منطق المواجهة. تسمية خصوم خارجيين تُسهم في تماسك القاعدة الموالية، كما تُؤطّر الاضطرابات بوصفها تهديدًا مفروضًا من الخارج. غير أن هذه السردية تُخفي واقعًا أكثر هشاشة، يتمثل في تآكل متواصل للشرعية الداخلية لا يمكن ترميمه بخطاب دبلوماسي وحده.

الهدوء النسبي في بعض المدن لا ينبغي تفسيره بوصفه عودة إلى الاستقرار. إنه صمت مضغوط تصنعه الخشية وعدم اليقين، لا القبول. تاريخيًا، تُعدّ هذه المراحل وسيطة وغير مستقرة بطبيعتها، وغالبًا ما تسبق إما تشددًا طويل الأمد في القبضة السلطوية أو قطيعة مفاجئة تُطلقها شرارة غير متوقعة.

تحليليًا، لا تقف إيران على حافة انهيار وشيك، ولا تعيش وضعًا مُحكم السيطرة. إنها في منطقة وسطى محفوفة بالمخاطر، حيث تظل قدرة الدولة على الإكراه قائمة، بينما تتآكل قدرتها على الإقناع بعمق. في مثل هذه اللحظات، لا يتمثل السؤال الحاسم في موعد عودة الاحتجاجات، بل في اللحظة التي يتوقف فيها الصمت عن كونه حالة مفروضة ليغدو، من جديد، أداة فاعلة للتغيير

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...